إدراج BYD على قائمة البنتاغون يثير أسئلة حول السيارات الصينية: أمن معلومات أم حرب اقتصادية؟

وزارة الدفاع الأميركية تضيف شركات صينية كبرى إلى قائمة مرتبطة بالجيش الصيني، بينها BYD وعلي بابا وبايدو، في خطوة لا تحظر على المواطنين استخدام منتجاتها لكنها تعكس تصاعد الحرب التكنولوجية بين واشنطن وبكين 

1 عرض المعرض
BYD تراهن على الأسواق العالمية للحفاظ على صدارتها رغم إغلاق السوق الأميركية
BYD تراهن على الأسواق العالمية للحفاظ على صدارتها رغم إغلاق السوق الأميركية
BYD تراهن على الأسواق العالمية للحفاظ على صدارتها رغم إغلاق السوق الأميركية
(Chatgpt)
أثار تحديث وزارة الدفاع الأميركية لقائمة الشركات الصينية التي تصنفها واشنطن على أنها مرتبطة بالجيش الصيني موجة تساؤلات واسعة، خصوصًا بعد إدراج شركات بارزة ومعروفة لدى الجمهور، من بينها شركة السيارات الكهربائية BYD، ومنصة التجارة الإلكترونية علي بابا، ومحرك البحث بايدو، إلى جانب شركات أخرى في مجالات التكنولوجيا والرقائق والبطاريات والذكاء الاصطناعي.
وبحسب تقارير أميركية، فإن القائمة المعروفة باسم "1260H" تضم الآن 188 كيانًا صينيًا، تقول وزارة الدفاع الأميركية إنها تعمل في الولايات المتحدة وتساهم، بصورة أو بأخرى، في استراتيجية الدمج بين القطاع المدني والعسكري في الصين. ولا يعني إدراج هذه الشركات فرض عقوبات مباشرة عليها أو منع المواطنين من شراء منتجاتها، لكنه يمنع وزارة الدفاع الأميركية من التعاقد معها أو شراء منتجاتها، ويفتح الباب أمام مزيد من التدقيق والقيود المستقبلية.
وفي حديثه لراديو الناس، قال أنس أبو دعابس، محرر الشؤون التكنولوجية في راديو الناس ومقدم بودكاست "صوت التك"، إن المسألة لا تتعلق بشركة BYD وحدها، بل بقائمة واسعة من الشركات الصينية التي ترى واشنطن أنها متغلغلة في التجارة العالمية وفي السوق الأميركية، وتمتلك قدرة كبيرة على جمع البيانات.
أنس أبو دعابس: مخاوف أمنية تصل إلى إسرائيل
غرفة الأخبار مع فراس خطيب
07:29

لماذا BYD؟

تأتي حساسية إدراج BYD تحديدًا من كونها واحدة من أبرز شركات السيارات الكهربائية في العالم، ومن الشركات التي حققت خلال السنوات الأخيرة نموًا كبيرًا في مواجهة شركات أميركية وغربية، وفي مقدمتها تيسلا. فالشركة الصينية لم تعد مجرد مصنع سيارات منخفضة الكلفة، بل أصبحت لاعبًا عالميًا في السيارات الكهربائية والبطاريات والتقنيات الذكية المرتبطة بالمركبات الحديثة.
ويقول أبو دعابس إن السيارات الكهربائية الحديثة لم تعد مجرد وسيلة نقل، بل أجهزة ذكية متحركة تجمع كميات ضخمة من البيانات. فهي تحتوي على أنظمة ملاحة، كاميرات داخلية وخارجية، حساسات، أنظمة اتصال، وبرمجيات مرتبطة بالقيادة الذاتية أو شبه الذاتية. وهذه المنظومات قد تسجل معلومات عن السائق، مسارات التنقل، أماكن الزيارة، أسلوب القيادة، وحتى البيئة المحيطة بالمركبة.
من هنا، يرى البنتاغون أن الخطر المحتمل لا يرتبط فقط بالسيارة كمنتج، بل بما يمكن أن تجمعه من معطيات، خصوصًا إذا استُخدمت في مؤسسات حكومية أو عسكرية أو من قبل مسؤولين وضباط. وهذا ما يجعل ملف السيارات الصينية جزءًا من نقاش أوسع حول أمن المعلومات، لا مجرد منافسة تجارية.

مخاوف أمنية تصل إلى إسرائيل

ولا يقتصر الجدل على الولايات المتحدة. فقد أشار أبو دعابس إلى أن نقاشًا مشابهًا طُرح أكثر من مرة في إسرائيل، خصوصًا بشأن استخدام ضباط أو جهات أمنية لسيارات صينية تحتوي على أنظمة GPS وكاميرات ومنظومات اتصال متقدمة.
وتدور المخاوف حول احتمال جمع بيانات عن أماكن حساسة أو تحركات مسؤولين أو ضباط، حتى لو لم يكن المستخدم العادي يشعر بذلك مباشرة. فالمركبة الذكية، بخلاف السيارة التقليدية، قادرة على إنتاج وتخزين ونقل معلومات متواصلة، ما يجعلها جزءًا من بنية البيانات الضخمة التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في الصراع بين الدول.
ومع ذلك، لا يعني القرار الأميركي أن سيارات BYD أو غيرها من السيارات الصينية ممنوعة على المواطنين العاديين، لا في الولايات المتحدة ولا في إسرائيل. فالخطوة الحالية تتركز على التعاقدات الحكومية والدفاعية الأميركية، لكنها تحمل رسالة سياسية واقتصادية واضحة قد تؤثر لاحقًا على قرارات دول أخرى أو مؤسسات رسمية.

حرب باردة تكنولوجية

يرى أبو دعابس أن القرار الأميركي يأتي ضمن "حرب باردة اقتصادية وتكنولوجية" بين الولايات المتحدة والصين. فالمنافسة بين البلدين لم تعد محصورة في التجارة التقليدية، بل باتت تشمل السيارات الكهربائية، الذكاء الاصطناعي، الرقائق الإلكترونية، البطاريات، التجارة الرقمية، والروبوتات.
وتشكل السيارات الكهربائية إحدى أبرز ساحات هذه المنافسة. فالصعود السريع للشركات الصينية، وفي مقدمتها BYD، وضع ضغطًا متزايدًا على الشركات الأميركية، وخصوصًا تيسلا، التي تواجه منافسة صينية قوية في الأسعار والإنتاج والتوسع العالمي. كما أن جزءًا من إنتاج شركات أميركية نفسها يعتمد على مصانع أو سلاسل توريد في الصين، ما يعقّد المواجهة بين البلدين.
وتحاول واشنطن من خلال قوائم البنتاغون والقيود التجارية والرسوم الجمركية أن تحدّ من اعتمادها على التكنولوجيا الصينية، وأن توجه رسالة إلى حلفائها والأسواق العالمية بشأن مخاطر الارتباط العميق بالشركات الصينية في قطاعات حساسة.

هل يتأثر المستهلك العادي؟

بالنسبة للمواطن العادي الذي اشترى سيارة BYD أو يفكر بشراء سيارة كهربائية صينية، لا يعني القرار الأميركي أن السيارة أصبحت ممنوعة أو غير صالحة للاستخدام. فالقرار لا يستهدف المستخدمين الأفراد، ولا يمنع البيع المدني المباشر، لكنه قد يؤثر تدريجيًا على صورة العلامات الصينية، وعلى قرارات المؤسسات الحكومية، وربما على سياسات الاستيراد أو العطاءات الرسمية في دول أخرى.
وقد تكون التأثيرات غير مباشرة، مثل زيادة التدقيق في برمجيات السيارات، أو فرض قيود على استخدامها داخل مؤسسات أمنية، أو مطالبة الشركات بتوضيح طريقة جمع البيانات وتخزينها. كما قد تؤدي السياسات الأميركية إلى تردد بعض الحكومات أو الشركات الكبرى في الاعتماد على مركبات أو خدمات صينية داخل بيئات حساسة.
أما من حيث الأسعار، فيبقى الأمر أكثر تعقيدًا. فالسيارات الصينية اكتسبت شعبيتها في أسواق عدة بسبب أسعارها المنافسة وتجهيزاتها العالية، وأي قيود واسعة قد تقلل المنافسة وترفع الأسعار. لكن في المقابل، إذا استمرت هذه الشركات في التوسع خارج الولايات المتحدة، فقد تحافظ على حضور قوي في أسواق مثل إسرائيل وأوروبا والشرق الأوسط، ما لم تتبنَّ هذه الأسواق قيودًا مشابهة.

بين الأمن والاقتصاد

تقول الولايات المتحدة إن الهدف من القائمة هو حماية الأمن القومي ومنع استفادة الجيش الصيني من التكنولوجيا المدنية. في المقابل، ترفض الشركات الصينية والحكومة الصينية هذه الاتهامات، وتعتبرها تسييسًا للأمن القومي واستخدامًا للقيود الاقتصادية لضرب المنافسين الصينيين. وقد أعلنت شركات مدرجة على القائمة، بينها شركات كبرى، أنها ترفض التصنيف وتسعى إلى الطعن فيه أو طلب تصحيحه.
وبين الروايتين، يجد المستهلك نفسه أمام سؤال عملي: هل يقلق من سيارته الصينية؟ الجواب، في هذه المرحلة، أن القلق الأكبر ليس على مستوى الاستخدام اليومي للمواطن العادي، بل على مستوى المؤسسات الرسمية والأمنية، وعلى مستوى الصراع بين الدول حول من يملك البيانات ومن يتحكم بالتكنولوجيا.
لكن الرسالة الأوسع واضحة: السيارة الحديثة لم تعد مجرد محرك وبطارية ومقاعد، بل منصة رقمية متحركة. وكلما زادت قدرتها على الاتصال وجمع البيانات، زادت أهميتها في حسابات الأمن القومي.

انعكاسات محتملة في إسرائيل

في إسرائيل، حيث تنتشر السيارات الصينية الكهربائية بوتيرة متصاعدة، قد يفتح القرار الأميركي نقاشًا جديدًا حول استخدام هذه المركبات في المؤسسات الحكومية والأمنية. وقد تدفع الخطوة الأميركية جهات رسمية إلى دراسة ما إذا كانت هناك حاجة لقيود مشابهة، أو على الأقل تعليمات واضحة بشأن استخدام السيارات الذكية في المواقع الحساسة.
وفي السوق المدنية، من غير المتوقع أن يؤدي القرار وحده إلى تغيير فوري في عادات الشراء، خصوصًا أن عامل السعر والتجهيزات ومدى البطارية يبقى حاسمًا لدى المستهلك. لكن الجدل قد يؤثر على ثقة بعض المشترين، وعلى الطريقة التي تسوّق بها الشركات الصينية سياراتها، خصوصًا في ما يتعلق بحماية الخصوصية وتخزين البيانات.
في المحصلة، لا يمكن فصل إدراج BYD وعلي بابا وبايدو على قائمة البنتاغون عن المواجهة الكبرى بين الولايات المتحدة والصين. فالمسألة ليست سيارة واحدة ولا تطبيقًا واحدًا، بل صراع على التكنولوجيا والبيانات والأسواق. وبالنسبة للمواطن العادي، تبقى السيارة الصينية خيارًا متاحًا، لكن الجدل حولها يكشف أن عالم السيارات دخل مرحلة جديدة، حيث لم يعد السؤال فقط عن السعر والمدى والراحة، بل أيضًا: من يجمع بياناتنا، وأين تذهب؟