يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معضلة عسكرية وسياسية متزايدة التعقيد بشأن إيران، في ظل تقارير عن استعدادات داخل وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" لاحتمال استئناف العمليات العسكرية ضد طهران، بالتزامن مع مؤشرات على استعادة إيران جزءًا من قدراتها الصاروخية والعسكرية التي تضررت خلال المواجهات السابقة.
وتأتي هذه التطورات قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، المقررة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وسط تساؤلات بشأن ما إذا كان ترامب سيختار توجيه ضربة عسكرية جديدة، أم تأجيل أي تحرك إلى ما بعد الانتخابات، رغم ما قد يمنحه ذلك لطهران من وقت إضافي لإعادة بناء ترسانتها العسكرية.
وبحسب تقرير نشرته القناة الإسرائيلية 12، نقلًا عن تقارير أمريكية وتحليلات عسكرية، فإن الإدارة الأمريكية تدرس سيناريوهات متعددة للتعامل مع إيران، تتراوح بين استمرار الضغوط الاقتصادية والمفاوضات، وتنفيذ هجمات محدودة، وصولًا إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق.
استعدادات أمريكية رغم تصريحات ترامب
أفادت تقارير نشرتها القناة 12 ووسائل إعلام أمريكية بأن القيادة المركزية للجيش الأمريكي تلقت تعليمات باستكمال استعداداتها لتنفيذ عمليات عسكرية واسعة ضد إيران.
وذكرت مجلة "ذا أتلانتيك" أن البيت الأبيض طلب دراسة خيارات لتنفيذ ضربات محدودة قبل الانتخابات، إلى جانب إعداد خطط لعمليات أكبر بعد انتهائها.
كما أشارت صحيفة "نيويورك تايمز"، وفق التقرير، إلى استعدادات داخل البنتاغون لاحتمال تنفيذ حملة جوية مكثفة تستمر ثلاثة أيام.
ورغم ذلك، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي، مؤكدًا وجود محادثات وصفها بالمفيدة بين واشنطن وطهران.
وبحسب التقارير، لم يصدر قرار نهائي بتنفيذ هجوم جديد، فيما تبقى الخطط العسكرية المطروحة خيارات محتملة وليست عمليات تقرر تنفيذها.
حسابات انتخابية ومخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة
تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الحسابات الاقتصادية والسياسية للإدارة الأمريكية، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار الوقود والتداعيات المستمرة للمواجهة مع إيران على حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز.
ووفق التقرير الإسرائيلي، ارتفع متوسط سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 4.37 دولارات مطلع تشرين الأول/أكتوبر، مقارنة بأقل من ثلاثة دولارات قبل اندلاع الحرب في شباط/فبراير الماضي.
وقد يؤدي أي تصعيد عسكري جديد إلى زيادة أسعار الطاقة وتعميق الضغوط الاقتصادية على المستهلكين الأمريكيين، في وقت تشكل فيه تكاليف المعيشة قضية رئيسية في الحملات الانتخابية.
وأشار التقرير إلى استطلاع أجرته وكالة "رويترز"، أظهر أن نحو 60% من الأمريكيين غير راضين عن طريقة تعامل ترامب مع الحرب في إيران، بينهم نحو ربع المشاركين من الجمهوريين.
وفي المقابل، يرى بعض المسؤولين المحيطين بترامب، بحسب "ذا أتلانتيك"، أن ضربة عسكرية محدودة تستهدف منشآت استراتيجية إيرانية قد تمنح الإدارة فرصة لإظهار إنجاز عسكري وتعزيز الضغط على طهران خلال المفاوضات.
لكن هذا التوجه ينطوي على مخاطر، أبرزها احتمال سقوط قتلى أمريكيين، أو تعرض الملاحة البحرية لهجمات جديدة، أو انزلاق الطرفين إلى مواجهة طويلة يصعب احتواؤها.
إيران تعيد بناء قدراتها الصاروخية والمسيّرات
في موازاة الاستعدادات الأمريكية، تحدثت تقارير غربية عن نجاح إيران في الحفاظ على أجزاء مهمة من بنيتها الصناعية العسكرية، رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت منشآتها خلال الأشهر الماضية.
وذكرت وكالة "بلومبرغ" أن إيران احتفظت ببعض منشآت إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، ولا تزال قادرة على تصنيع أسلحة جديدة وتجديد مخزوناتها.
وبحسب التقرير، تمتلك طهران كميات من الصواريخ الباليستية والأسلحة المضادة للسفن، وسط تقارير عن حصولها على صواريخ إضافية من روسيا.
كما أشارت صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى استئناف إنتاج الصواريخ الباليستية داخل منشآت تحت الأرض، وإن كان بوتيرة أقل مما كانت عليه قبل الحرب.
وتبرز صعوبة تعطيل صناعة الطائرات المسيّرة الإيرانية بصورة كاملة، نظرًا لاعتمادها على شبكة موزعة من المصانع والورش والموردين، ما يسمح باستمرار الإنتاج حتى بعد تعرض بعض المنشآت للقصف.
تحركات في مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني
ولا تقتصر المخاوف الأمريكية والإسرائيلية على الصواريخ والطائرات المسيّرة، إذ أشار التقرير إلى صور أقمار صناعية حديثة أظهرت نشاطًا متجددًا في مجمع "مين زادائي" قرب طهران، الذي تقول إسرائيل إنه استُخدم سابقًا لأبحاث وتطوير مكونات مرتبطة بالأسلحة النووية.ووفقًا لتقرير صادر عن معهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن، رُصدت حركة مركبات وشاحنات وأعمال إزالة أنقاض وإصلاح أضرار في الموقع الذي تعرض لهجوم إسرائيلي خلال آذار/مارس الماضي.
ويرى باحثو المعهد أن هذه الأنشطة قد تشير إلى محاولة إعادة تأهيل منشآت بحثية تضررت في الهجمات، لكنهم لا يعتبرونها دليلًا قاطعًا على استئناف إيران جهود تصنيع سلاح نووي.
كما أشار التقرير إلى نشاط متزايد في منطقة «جبل المعول»، وسط تقديرات بأن الموقع قد يُستخدم لأغراض نووية، دون وجود تأكيد مستقل لطبيعة النشاط الجاري فيه.
وتستمر حالة الغموض بشأن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، خصوصًا بعد الضربات التي استهدفت منشآتها النووية، والصعوبات التي تواجه المفتشين الدوليين في الوصول إلى بعض المواقع.
أربعة سيناريوهات لمستقبل المواجهة
بحسب التحليل المنشور، تبرز أربعة مسارات محتملة للأزمة بين واشنطن وطهران:
1. استمرار التهدئة والمفاوضات: إبقاء الضغوط الاقتصادية والحصار البحري على إيران حتى الانتخابات الأمريكية، مع مواصلة المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز.
2. ضربة أمريكية محدودة قبل الانتخابات: تنفيذ هجمات تستهدف مواقع عسكرية إيرانية، رغم إعلان ترامب عدم اعتزامه شن هجمات قبل الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر.
3. تصعيد عسكري غير مخطط له: اندلاع مواجهة جديدة نتيجة هجوم إيراني على قوات أمريكية أو حلفاء واشنطن أو منشآت حيوية في المنطقة، وما قد يستتبعه من رد عسكري واسع.
4. عملية عسكرية أوسع بعد الانتخابات: تأجيل القرار العسكري إلى ما بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي، بما قد يتيح للإدارة الأمريكية دراسة خيارات أكثر اتساعًا.
وتتوافق بعض هذه السيناريوهات مع تقارير أمريكية حديثة عن إعداد خطط لضربات محدودة وأخرى واسعة، مع التأكيد أن ترامب لم يتخذ قرارًا نهائيًا بتنفيذها.
بين خطر التصعيد واستمرار التعزيز العسكري الإيراني
وتواجه الإدارة الأمريكية تحديين متعارضين: فمن جهة، قد تؤدي العودة إلى الهجمات العسكرية إلى تجدد الحرب وارتفاع أسعار الطاقة وتعريض القوات الأمريكية وحلفائها لمخاطر إضافية. ومن جهة أخرى، قد يسمح استمرار التهدئة لإيران بتعويض خسائرها العسكرية واستعادة جزء من قدراتها الهجومية.
وتعزز تقارير "بلومبرغ" الأخيرة المخاوف من قدرة طهران على مواصلة إنتاج الصواريخ والمسيّرات رغم الضربات السابقة، في حين تؤكد تصريحات ترامب الأخيرة رغبته المعلنة في تجنب هجوم جديد قبل الانتخابات.
وبينما تستمر الاتصالات الدبلوماسية، تبقى احتمالات المواجهة مفتوحة، في ظل الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني والحصار البحري ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
وفي المحصلة، لا يتمحور السؤال في واشنطن حول إمكانية تنفيذ ضربة عسكرية جديدة فحسب، بل حول توقيتها وحجمها، ومدى قدرتها على تحقيق أهدافها دون إشعال حرب أوسع قد تتجاوز تداعياتها حدود إيران والولايات المتحدة.


