عامان على اغتيال حسن نصر الله: ضربة غيّرت حزب الله وفتحت مرحلة جديدة في المنطقة

في 27 أيلول 2024 اغتالت إسرائيل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في غارة واسعة على الضاحية الجنوبية لبيروت. وبعد عامين، تبدو تداعيات تلك الليلة أبعد بكثير من غياب زعيم قاد الحزب لأكثر من ثلاثة عقود؛ إذ تغيّرت قيادته وقدراته وموقعه داخل لبنان، وتعرضت شبكة النفوذ الإيرانية في المنطقة لتحولات كبيرة

5 عرض المعرض
حسن نصرالله
حسن نصرالله
حسن نصرالله
(حزب الله - Khamenei.ir)
يصادف اليوم مرور عامين على اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله، الذي قُتل في 27 أيلول/سبتمبر 2024 في غارة إسرائيلية استهدفت مقر القيادة المركزي للحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت. لم يكن اغتيال نصر الله مجرد عملية استهدفت قائدًا عسكريًا وسياسيًا. فقد أنهى أكثر من 32 عامًا من قيادة شخصية ارتبط بها صعود حزب الله من تنظيم لبناني مسلح إلى قوة عسكرية وسياسية ذات تأثير داخلي وإقليمي، وأحد أبرز مكونات شبكة حلفاء إيران في الشرق الأوسط. وبعد عامين، يمكن النظر إلى 27 أيلول 2024 باعتباره محطة فاصلة في مسار حزب الله ولبنان، وجزءًا من سلسلة تحولات أوسع أعادت رسم جانب من موازين القوى في المنطقة.
5 عرض المعرض
اغتيال حسن نصرالله
اغتيال حسن نصرالله
اغتيال حسن نصرالله
(Flash90)
27 أيلول: الضربة التي استهدفت رأس حزب الله مساء ذلك اليوم، نفذت إسرائيل غارات شديدة على الضاحية الجنوبية لبيروت، استهدفت ما وصفه الجيش الإسرائيلي بالمقر المركزي لحزب الله. أحدثت الضربات دمارًا واسعًا في المنطقة المستهدفة، وفي اليوم التالي أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل نصر الله، قبل أن يؤكد حزب الله مقتله. جاءت العملية في ذروة تصعيد إسرائيلي واسع ضد الحزب، بعد أيام شهدت تفجير أجهزة اتصال يستخدمها عناصر في حزب الله، وغارات استهدفت قيادات ومواقع تابعة له. لكن اغتيال نصر الله حمل دلالة مختلفة؛ فالرجل لم يكن قائدًا للحزب فحسب، بل كان على مدى عقود مركزًا لاتخاذ القرار وواجهة سياسية وإعلامية، ولعب دورًا رئيسيًا في علاقة حزب الله بإيران وفي نشاطه الإقليمي.
5 عرض المعرض
اغتيال حسن نصرالله
اغتيال حسن نصرالله
اغتيال حسن نصرالله
(Flash90)
من نصر الله إلى نعيم قاسم: حزب الله أمام اختبار القيادة بعد اغتيال نصر الله، واجه حزب الله أزمة قيادة غير مسبوقة. هاشم صفي الدين، الذي كان يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز المرشحين لخلافته، قُتل هو الآخر في غارات إسرائيلية بعد فترة قصيرة. وفي نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2024، اختار الحزب نعيم قاسم أمينًا عامًا جديدًا.لكن انتقال القيادة لم يكن مجرد تبديل أسماء. فنصر الله تولى قيادة الحزب منذ عام 1992، وشهدت فترة قيادته الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، وحرب 2006، ثم توسع الدور الإقليمي للحزب، خصوصًا في سوريا، وصولًا إلى دخوله المواجهة مع إسرائيل بعد اندلاع حرب غزة في تشرين الأول 2023. وتشير تقديرات وتقارير متعددة إلى أن الحزب تمكن من إعادة ملء عدد من المواقع القيادية والتنظيمية، لكنه اضطر إلى تغيير أساليب عمله، خصوصًا بعد الاختراقات الأمنية والاستخباراتية التي ظهرت خلال حرب 2024.
حزب الله بعد نصر الله:أضعف لكنه لم يختفِ ربما يكون هذا أبرز ما تكشفه السنتان اللتان أعقبتا الاغتيال. فالحرب التي رافقت اغتيال نصر الله وما أعقبها ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية العسكرية والقيادية لحزب الله، وقتلت عددًا من أبرز قادته ودفعت الحزب إلى إعادة تنظيم صفوفه. لكن التقديرات التي تحدثت عن انتهاء الحزب كقوة عسكرية لم تتحقق. بعد عام على اغتيال نصر الله، خلصت وكالة "أسوشيتد برس"، استنادًا إلى مسؤولين ومحللين ومصادر من أطراف مختلفة، إلى أن الحزب كان يعمل على إعادة بناء نفسه، رغم الضربات التي تعرض لها وخسارته جزءًا من قدراته وخطوط إمداده. وبحلول عام 2026، بقي حزب الله قادرًا على العمل عسكريًا، واستمرت المواجهات والضربات المتبادلة، فيما بقي حجم قدراته الفعلية بعد الحرب موضع تقديرات متباينة.
5 عرض المعرض
اغتيال حسن نصرالله
اغتيال حسن نصرالله
نتنياهو يعلن اغتيال حسن نصرالله
(Flash90)
سقوط الأسد: خسارة استراتيجية أخرى بعد اغتيال نصر الله ولم تتوقف التغييرات عند حدود لبنان. بعد أقل من ثلاثة أشهر على اغتيال نصر الله، سقط نظام بشار الأسد في سوريا في كانون الأول/ديسمبر 2024، ما شكّل ضربة إضافية لحزب الله وإيران. لسنوات، كانت سوريا تمثل عمقًا استراتيجيًا للحزب وممرًا أساسيًا يربطه بإيران. وأقر مسؤولون في حزب الله لاحقًا بأن سقوط حليفهم في دمشق مثّل ضربة لـ"العمق الاستراتيجي" للحزب. وهكذا، لم يدخل حزب الله مرحلة ما بعد نصر الله بقيادة جديدة فقط، بل دخلها أيضًا في بيئة إقليمية مختلفة، مع خسارة حليف مركزي كان يشكل حلقة جغرافية وسياسية بين طهران وبيروت.
"محور المقاومة" بعد نصر الله كان نصر الله أحد أبرز الوجوه السياسية والعسكرية لما تطلق عليه إيران وحلفاؤها اسم "محور المقاومة". وخلال قيادته، تجاوز نشاط حزب الله الحدود اللبنانية، فشارك إلى جانب نظام الأسد في الحرب السورية، وأقام علاقات وثيقة مع فصائل فلسطينية وجماعات حليفة لإيران في المنطقة، وأصبح الحزب أحد أهم مكونات الاستراتيجية الإقليمية لطهران. لذلك شكّل اغتياله ضربة لم تتوقف آثارها عند حزب الله نفسه. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أيضًا أن شبكة حلفاء إيران لم تختفِ باغتيال شخصية مركزية فيها، بل دخلت مرحلة إعادة تموضع وتكيف مع واقع عسكري وسياسي مختلف.
لبنان بعد الاغتيال: سلاح حزب الله في قلب المواجهة السياسية داخليًا، أدى تراجع قوة حزب الله العسكرية مقارنة بمرحلة ما قبل حرب 2024 إلى إعادة فتح ملف كان لسنوات من أكثر الملفات حساسية في لبنان: سلاح الحزب وعلاقته بالدولة. وتصاعدت الضغوط اللبنانية والدولية المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، فيما رفض حزب الله التخلي عن سلاحه، معتبرًا أن وجوده المسلح ما زال ضروريًا في ظل الوجود والعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان. وفي حزيران/يونيو 2026، ربط اتفاق إطار بين لبنان وإسرائيل الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله، وهو ما رفضه الحزب. وأدى الملف إلى تعميق الانقسام السياسي اللبناني ورفع مستوى التوتر بين الحكومة وحزب الله وحلفائه. وهكذا انتقل السؤال تدريجيًا من قدرة حزب الله على استعادة قوته بعد اغتيال نصر الله إلى سؤال أكبر: ما موقع سلاح الحزب في لبنان مستقبلًا؟
الجنوب اللبناني: الحرب لم تنتهِ سياسيًا ورغم الاتفاقات ومحاولات وقف إطلاق النار التي شهدتها السنتان الماضيتان، بقي جنوب لبنان ساحة مواجهة متقلبة. الدمار الواسع والنزوح واستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق لبنانية، إلى جانب رفض حزب الله التخلي عن سلاحه، أبقت جذور المواجهة قائمة.
5 عرض المعرض
اغتيال حسن نصرالله
اغتيال حسن نصرالله
اغتيال حسن نصرالله
(Flash90)
وتشير تقارير حديثة إلى أن أزمة النزوح وإعادة إعمار الجنوب أصبحت بدورها جزءًا من الصراع السياسي، إذ يرتبط الحصول على دعم دولي واسع لإعادة الإعمار بمطالب تتعلق بمستقبل سلاح حزب الله وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية.
عامان بعد نصر الله: ما الذي تغير؟ بعد عامين، لا يمكن اختزال تأثير اغتيال حسن نصر الله في مسألة خلافته داخل حزب الله. الحزب الذي قاده لأكثر من ثلاثة عقود خسر جزءًا مهمًا من قيادته وقدراته العسكرية، واضطر إلى إعادة بناء هياكله وأساليب عمله. وفي الوقت نفسه، فقد أحد أهم خطوط إمداده بعد سقوط نظام الأسد، وواجه ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة بشأن سلاحه. في المقابل، لم يختف حزب الله من المشهد العسكري أو السياسي، واستمر في العمل تحت قيادة نعيم قاسم، فيما بقيت مسألة قدرته على إعادة بناء قوته موضع خلاف بين الحزب وخصومه والتقديرات الإسرائيلية والدولية. أما على المستوى الأوسع، فقد جاءت عملية اغتيال نصر الله في بداية مرحلة شهدت تغيرات متلاحقة في لبنان وسوريا والعلاقة بين إسرائيل وإيران وشبكة حلفائها. لذلك، وبعد عامين على غارة الضاحية، لم يعد السؤال الأساسي يتعلق بمن خلف حسن نصر الله في قيادة حزب الله، بل بشكل الحزب الذي سيخرج من هذه المرحلة، وبمستقبل سلاحه داخل لبنان، وبقدرة إيران وحلفائها على الحفاظ على نفوذهم في منطقة تغيرت فيها موازين كثيرة منذ مساء 27 أيلول 2024.