شهدت مدن فرنسية، اليوم السبت، موجة واسعة من الاحتجاجات التي تحولت في عدد من المناطق إلى مواجهات عنيفة بين متظاهرين وقوات الشرطة، تخللتها عمليات إحراق سيارات ونهب متاجر واقتحام مبانٍ عامة، في تصعيد لافت للحراك الاحتجاجي الذي بدأ الشهر الماضي بقيادة طلاب المدارس، وانضمت إليه حركة "السترات الصفراء" احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامة وأسعار الوقود.
وبحسب منظمي الاحتجاجات، شارك ما لا يقل عن 800 ألف شخص في نحو 1,750 مسيرة وتحرك احتجاجي في مختلف أنحاء البلاد، فيما تحدثت تقارير أخرى عن مشاركة نحو نصف مليون شخص. وأعلنت السلطات الفرنسية توقيف ما لا يقل عن 272 شخصًا في حصيلة أولية، بينما أشارت تحديثات لاحقة إلى اعتقال 191 شخصًا في باريس وحدها، وسط توقعات بارتفاع الأعداد مع استمرار المواجهات.
مواجهات عنيفة في مرسيليا وحرائق في باريس
وشهدت مدينة مرسيليا جنوبي فرنسا واحدة من أعنف المواجهات، حيث أظهرت مقاطع مصورة اشتباكات مطولة بين مجموعات من الملثمين وقوات الشرطة، تخللها رشق عناصر الأمن ومركباتهم بالحجارة ومقذوفات مختلفة، فيما حاولت الشرطة تفريق المحتجين باستخدام الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية.
كما وردت تقارير عن اقتحام مبنى البلدية في مرسيليا، في حين شهدت العاصمة باريس مواجهات مماثلة، أُضرمت خلالها النيران في عدد من السيارات ومحطة حافلات، خصوصًا في محيط بوابة سان دوني، وسط انتشار أمني مكثف واستخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق مجموعات من المحتجين.
نهب متاجر واقتحام مبانٍ عامة
وامتدت أعمال العنف إلى مدينة ليون، حيث اقتحم ملثمون متجرًا تابعًا لسلسلة الملابس الرياضية "ذا نورث فيس" بعد تحطيم واجهته الزجاجية، كما سُجل اقتحام أحد الفنادق وإضرام النار في مكتب السياحة المحلي.
وفي مدينة ليل شمالي البلاد، أظهرت تسجيلات مصورة عمليات نهب استهدفت متجرًا لمنتجات شركة "آبل"، إلى جانب تقارير عن اقتحام مبنى البلدية.
وشهدت مدن أخرى، بينها بوردو ونيس، اشتباكات وأعمال تخريب استهدفت ممتلكات عامة وخاصة، فيما استخدمت قوات الأمن وسائل تفريق المتظاهرين للسيطرة على الاضطرابات.
مواجهات في باريس وإحراق ممتلكات
اقتحام مبنى بلدية مرسيليا وامتداد الاضطرابات إلى ليون ورين
وفي مدينة مرسيليا جنوبي فرنسا، تمكنت مجموعة من المتظاهرين من اقتحام بهو مبنى البلدية لفترة وجيزة، بعد تحطيم أحد أبوابه، قبل أن تتدخل قوات الشرطة وتخرجهم من المكان.
وقال رئيس بلدية مرسيليا، بنوا بايان، إن المبنى تعرض لأضرار محدودة، فيما سُجلت اعتداءات وأضرار طالت متاجر ومركزًا للشرطة البلدية، ما دفع السلطات إلى إرسال تعزيزات أمنية إضافية إلى المدينة.
وامتدت المواجهات إلى مدن أخرى، بينها ليون ورين وتولوز وأنجيه، حيث أبلغت السلطات عن محاولات إغلاق طرق وإضرام حرائق في ممتلكات عامة واعتداءات على عناصر الشرطة ومبانٍ حكومية.
وفي مدينة ليون، فرقت قوات الأمن مجموعات من المحتجين حاولت عرقلة حركة المرور قرب أحد الجسور، إلى جانب تجمعات أخرى بالقرب من مصفاة نفطية في منطقة فيزين.
كما تعرض مبنى جامعي في مدينة روان لأضرار جراء اندلاع حريق، وصفه وزير التعليم العالي الفرنسي بأنه متعمد.
احتجاجات الطلاب تتوسع وتثير جدلًا
وتأتي موجة الاحتجاجات الحالية امتدادًا لتحركات طلابية بدأت منتصف أيلول الماضي في المدارس الثانوية بالضواحي الشمالية للعاصمة باريس، احتجاجًا على نقص المعلمين وتدهور البنية التحتية التعليمية والاكتظاظ داخل الصفوف.
وتحولت هذه التحركات تدريجيًا إلى احتجاجات أوسع ضد غلاء المعيشة والتفاوت الاجتماعي وتراجع الإنفاق على الخدمات العامة، بمشاركة طلاب جامعيين ونقابات عمالية ومزارعين ومتقاعدين وناشطين من حركات احتجاجية سابقة.
وأثارت طريقة تعامل الشرطة مع الاحتجاجات الطلابية انتقادات واسعة، خصوصًا بعد إصابة طالب يبلغ من العمر 15 عامًا أدت إلى فقدان إحدى يديه إثر انفجار قنبلة صوتية استخدمتها الشرطة.
وكان وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، قد أعلن تعليق استخدام هذا النوع من القنابل خلال الاحتجاجات الطلابية، فيما تحقق الهيئة المختصة بالرقابة على الشرطة في ما لا يقل عن 24 ادعاء يتعلق باستخدام العنف من جانب عناصر الأمن.
وفي المقابل، قال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إن أكثر من 900 شرطي أصيبوا خلال موجة الاحتجاجات الطلابية التي شهدتها البلاد في الأسابيع الماضية.
عودة "السترات الصفراء" وتحالف احتجاجي واسع
وتعيد الاحتجاجات الحالية حركة "السترات الصفراء" إلى الواجهة، بعد سنوات من تراجع نشاطها، إذ شارك عدد من ناشطيها في التحركات إلى جانب الطلاب والنقابات العمالية، في محاولة لتوحيد المطالب الاجتماعية والاقتصادية.
وكانت الحركة قد ظهرت عام 2018 احتجاجًا على الضرائب المفروضة على وقود الديزل، قبل أن تتوسع مطالبها لتشمل غلاء المعيشة والتفاوت الاقتصادي والسياسات الضريبية لحكومة ماكرون.
وأعلن الاتحاد العام للعمل "CGT"، أحد أبرز الاتحادات النقابية الفرنسية، دعمه للمظاهرات، مطالبًا برفع الأجور والمعاشات التقاعدية وخفض الأسعار وحماية الخدمات العامة.
وتعكس هذه المشاركة اتساع نطاق الاحتجاجات من مطالب تعليمية محددة إلى حركة اجتماعية تجمع فئات مختلفة من المجتمع الفرنسي، في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية على الحكومة.
ماكرون يدعو إلى التهدئة والحكومة تتهم اليسار بتأجيج الاحتجاجات
سياسيًا، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى التهدئة واحترام الممتلكات العامة والخاصة، مؤكدًا أن حق التظاهر والتعبير عن الرأي مكفول دستوريًا، لكنه لا يبرر الاعتداء على الأشخاص أو تخريب الممتلكات.
وفي المقابل، اتهم رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو حزب "فرنسا الأبية" اليساري باستغلال الاحتجاجات الطلابية لتحقيق مكاسب انتخابية، معتبرًا أن بعض التحركات تحولت من احتجاجات مطلبية إلى مواجهات عنيفة في الشوارع.
وتأتي هذه التطورات قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في ربيع عام 2027، في وقت تواجه فيه البلاد انقسامات سياسية حادة وضغوطًا مالية متزايدة، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقدين.
وتبقى الأنظار متجهة إلى حجم المشاركة في المظاهرات خلال بقية اليوم، وسط ترقب لصدور حصيلة رسمية نهائية بأعداد المتظاهرين والمعتقلين، وما إذا كانت التحركات ستتواصل خلال الأيام المقبلة.
First published: 15:15, 17.10.26

