الذكاء الاصطناعي يهدد أرباح البنوك بمليارات الدولارات: هل تنتهي حقبة الأموال الراكدة في الحسابات؟

بحسب الحسابات الواردة في التقرير، فإن ارتفاع متوسط الفائدة التي تدفعها البنوك على هذه الأموال من نحو 1.9% إلى 4%، نتيجة المنافسة التي قد يفرضها وكلاء الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يؤدي إلى زيادة تكاليف البنوك بنحو 79 مليار دولار سنويًا. 

1 عرض المعرض
تحذيرات من رفع ضرائب جديدة
تحذيرات من رفع ضرائب جديدة
الذكاء الاصطناعي يهدد أرباح البنوك بمليارات الدولارات: هل تنتهي حقبة الأموال الراكدة في الحسابات؟
(Flash 90)
تواجه البنوك العالمية تحديًا جديدًا قد يهدد أحد أهم مصادر أرباحها، مع التطور المتسارع لما يُعرف بـ"وكلاء الذكاء الاصطناعي"، القادرين على مقارنة أسعار الفائدة والبحث عن أفضل العوائد المالية، وصولًا إلى إمكانية نقل أموال العملاء تلقائيًا بين المؤسسات المصرفية، ما قد يكلف القطاع المصرفي عشرات مليارات الدولارات سنويًا. ووفقًا لتقرير تناولته وكالة "رويترز"، فإن هذه التكنولوجيا قد تُحدث تحولًا جذريًا في العلاقة بين البنوك وعملائها، بعدما اعتادت المؤسسات المصرفية الاستفادة من احتفاظ ملايين العملاء بأموالهم في حسابات جارية وادخارية ذات فوائد منخفضة، رغم توافر خيارات أكثر ربحية في مؤسسات أخرى.
3.8 تريليون دولار في حسابات الادخار الأمريكية تشير المعطيات التي استعرضتها "رويترز" إلى وجود نحو 3.8 تريليون دولار في حسابات الادخار داخل الولايات المتحدة. وبحسب الحسابات الواردة في التقرير، فإن ارتفاع متوسط الفائدة التي تدفعها البنوك على هذه الأموال من نحو 1.9% إلى 4%، نتيجة المنافسة التي قد يفرضها وكلاء الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يؤدي إلى زيادة تكاليف البنوك بنحو 79 مليار دولار سنويًا. ولا تمثل هذه الأرقام خسائر تحققت بالفعل، بل سيناريو اقتصاديًا يوضح حجم التأثير المحتمل في حال دفعت التكنولوجيا البنوك إلى تقديم فوائد أعلى للاحتفاظ بودائع عملائها. وتكمن المشكلة بالنسبة إلى البنوك في أن عددًا كبيرًا من العملاء لا ينقلون أموالهم بحثًا عن عوائد أفضل، بسبب الوقت والجهد اللازمين لمقارنة العروض وفتح الحسابات وإجراء التحويلات. لكن وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يغيرون هذه المعادلة بصورة جذرية. كيف يمكن للذكاء الاصطناعي إدارة أموال العملاء؟ تعتمد الفكرة على منح وكيل ذكاء اصطناعي صلاحية الاطلاع على الحسابات المالية للمستخدم، وتحليل احتياجاته الشهرية والتزاماته المالية، ثم تحديد الأموال التي يمكن استثمارها أو إيداعها للحصول على عوائد أعلى. فعلى سبيل المثال، إذا احتفظ أحد العملاء بعشرات آلاف الشواكل في حسابه الجاري دون الاستفادة منها، يستطيع الوكيل الذكي مقارنة أسعار الفائدة لدى البنوك والصناديق النقدية والمنصات المالية، واقتراح نقل المبلغ إلى الجهة التي تقدم العائد الأفضل. ومع تطور التكنولوجيا والحصول على التفويضات المناسبة، قد يتمكن الوكيل مستقبلًا من تنفيذ التحويلات بنفسه، بدلًا من الاكتفاء بتقديم التوصيات. وهنا تكمن نقطة التحول الأساسية: الانتقال من الذكاء الاصطناعي الذي يقدم المشورة إلى الذكاء الاصطناعي الذي ينفذ المعاملات المالية نيابة عن المستخدم.
1.6 تريليون دولار من الودائع دون فوائد وبحسب معطيات أوردتها منصة "PYMNTS"، تحتفظ ثلاثة من أكبر البنوك الأمريكية، وهي "جيه بي مورغان" و"بنك أوف أمريكا" و"ويلز فارغو"، بنحو 1.6 تريليون دولار من الودائع التي لا تدفع فوائد لأصحابها. وتشكل هذه الأموال مصدرًا مهمًا للميزة التمويلية التي تتمتع بها البنوك، إذ تتيح لها الاحتفاظ بسيولة بتكلفة منخفضة. وفي حال أصبح العملاء قادرين على نقل أموالهم بسهولة وبصورة شبه تلقائية إلى المؤسسات التي تقدم فوائد أعلى، فقد تضطر البنوك إلى زيادة العوائد المدفوعة على الودائع، الأمر الذي سيؤثر في هوامش أرباحها. تجربة مصرفية تنقل الذكاء الاصطناعي من التوصيات إلى التنفيذ ولم تعد هذه التطورات مجرد توقعات مستقبلية. فقد أعلن بنك "HSBC" وشركة "Ant Digital" مؤخرًا استكمال تجربة استخدم خلالها وكيل ذكاء اصطناعي خدمة رقمية، ونفّذ عملية دفع بصورة مستقلة باستخدام ودائع مصرفية جرى تحويلها إلى رموز رقمية. ونُفذت عملية التسوية في الوقت الفعلي عبر شبكة تجريبية تعتمد تقنية "البلوك تشين"، فيما تولى بنك HSBC تشغيل آليات فحص المخاطر المرتبطة بالعملية. ورغم أن التجربة لم تُتح بعد للعملاء، فإنها تمثل تطورًا مهمًا في قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ عمليات مالية فعلية، وليس مجرد تحليل البيانات أو تقديم الاقتراحات. وفي الوقت الراهن، لا تزال بعض الأنظمة الأخرى في مرحلة تقديم التوصيات. ومن بينها نظام "Meta Muse"، الذي يستطيع الاتصال بالمعلومات المالية عبر منصة "Plaid"، التي توفر الربط بأكثر من 12 ألف مؤسسة مالية، لكنه لا ينفذ عمليات نقل الأموال بنفسه حتى الآن.
البنوك أمام تهديد وفرصة في الوقت نفسه ورغم المخاطر المحتملة على أرباح البنوك، فإن الذكاء الاصطناعي يوفر لهذه المؤسسات فرصًا كبيرة لخفض النفقات وتحسين الكفاءة التشغيلية. وتستخدم بنوك عالمية بالفعل أنظمة الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء، وتطوير البرمجيات، واكتشاف عمليات الاحتيال، ومكافحة غسل الأموال، وتحليل طلبات الائتمان. وبحسب "رويترز"، تسعى مؤسسات مصرفية، بينها "بنك أوف أمريكا" و"Société Générale"، إلى الاستفادة من هذه التكنولوجيا لتحقيق وفورات قد تصل إلى مئات ملايين الدولارات سنويًا. ومن هنا، قد تتشكل منافسة جديدة بين نوعين من الأنظمة الذكية: وكلاء يعملون لصالح البنوك بهدف الاحتفاظ بالعملاء، ووكلاء يعملون لصالح العملاء أنفسهم للعثور على أفضل الشروط المالية، دون التقيد بمؤسسة مصرفية محددة.
ماذا عن البنوك في إسرائيل؟ وفي إسرائيل، لم يُعلن حتى الآن، وفق التقرير، عن تجربة مصرفية علنية مماثلة لتلك التي أجراها HSBC وAnt Digital. ومع ذلك، صنّف بنك إسرائيل الذكاء الاصطناعي القادر على تنفيذ المهام بصورة مستقلة، المعروف باسم "Agentic AI"، ضمن الاتجاهات التكنولوجية الرئيسية المتوقع دخولها إلى القطاع المصرفي. وتشمل الاستخدامات المحتملة لهذه الأنظمة مجالات الائتمان، واكتشاف الاحتيال، وإدارة المخاطر، إلى جانب الخدمات المالية المقدمة للعملاء. وأشار الإشراف المصرفي إلى أن البنوك المحلية لا تزال في مراحل أولية نسبيًا من تبني هذه التكنولوجيا. وقد يكون لهذه التطورات تأثير ملحوظ في السوق الإسرائيلية، حيث يحتفظ العديد من العملاء بأرصدة مالية كبيرة في حساباتهم الجارية، رغم إمكان الحصول على عوائد أعلى من خلال منتجات ادخارية ومالية أخرى. وفي حال أصبح بإمكان وكلاء الذكاء الاصطناعي مقارنة الفوائد والعمولات وتنفيذ تحويلات مالية بموافقة واحدة من العميل، فقد تتعرض البنوك لضغوط متزايدة لتحسين شروطها المالية.
هل تتغير العلاقة بين العميل والبنك؟ لا يقتصر التحول المرتقب على إدخال مساعد رقمي جديد إلى التطبيقات المصرفية، بل قد يصل إلى تغيير الطريقة التي يختار بها العملاء البنوك التي يحتفظون فيها بأموالهم. فبدلًا من بقاء الأموال في الحساب نفسه لسنوات بسبب صعوبة الانتقال، قد تصبح المنافسة على العوائد والرسوم أكثر سرعة وشفافية، إذا توافرت للأنظمة الذكية الصلاحيات والأطر التنظيمية اللازمة. ومع ذلك، فإن الانتقال إلى إدارة الأموال بصورة آلية يظل مرتبطًا بقضايا حماية البيانات، وأمن الحسابات، والتفويضات المصرفية، والرقابة على المعاملات. وبينما لا يزال هذا التحول في مراحله الأولى، فإن السيناريو الذي تطرحه "رويترز" يشير إلى احتمال تراجع إحدى أهم المزايا التي تمتعت بها البنوك التقليدية لعقود: الاستفادة من أموال العملاء الذين يتركون ودائعهم في حسابات منخفضة الفائدة دون البحث عن بدائل أفضل.