حذّرت دراسة صادرة عن "معهد أبحاث الأمن القومي" الإسرائيلي من تدهور حاد في مكانة إسرائيل الدولية، معتبرة أن الأزمة لم تعد مسألة "صورة" أو إخفاق في الدعاية، بل باتت تمسّ بصورة مباشرة حرية الحركة السياسية والعسكرية والعلاقات الأمنية والاقتصاد وقدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها بعيدة المدى.
وأعدّت الدراسة، التي صدرت بعنوان "مكانة إسرائيل الدولية: بين نزع الشرعية، النقد والمسؤولية الإسرائيلية"، الباحثة في المعهد، بنينا شربيت باروخ، التي سبق أن ترأست قسم القانون الدولي في النيابة العسكرية الإسرائيلية وعملت مستشارة قانونية خلال مفاوضات مع الفلسطينيين.
من الدعم بعد 7 أكتوبر إلى تآكل حاد في المكانة الدولية
ترى الدراسة أن الدعم الدولي الواسع نسبيًا الذي حظيت به إسرائيل بعد هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 تآكل سريعًا، لتحل محله انتقادات سياسية وشعبية حادة، وإجراءات قضائية دولية، وضغوط على العلاقات السياسية والأمنية، إلى جانب ابتعاد جهات كانت محسوبة على داعمي إسرائيل.
وأوضحت أن الأزمة لا يمكن تفسيرها فقط من خلال ما تصفه بـ"حملة نزع الشرعية" ضد إسرائيل، رغم إقرارها بوجود جهات معادية لإسرائيل وبظواهر معاداة للسامية والصهيونية وانحياز في بعض المؤسسات الدولية. وفي المقابل، شددت على أن القول إن "لا أهمية لما تفعله إسرائيل لأن العالم سيهاجمها في كل الأحوال" هو استنتاج خاطئ.
السياسات الإسرائيلية تتحمل جزءًا من المسؤولية
وتنسب الدراسة جزءًا مهمًا من التدهور إلى حجم الضحايا والدمار في قطاع غزة والأزمة الإنسانية، وإلى السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية والاعتداءات على الفلسطينيين، والتصريحات "المتطرفة والعنصرية" الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين، بالإضافة إلى غياب أي أفق أو مبادرة سياسية تجاه الفلسطينيين.
وتشير إلى أنه عشية السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، كانت إسرائيل تتمتع بعلاقات خاصة مع الولايات المتحدة، واتفاقيات سلام مع مصر والأردن، واتفاقيات تطبيع مع دول عربية وإمكانية توسيعها، إلى جانب صورتها بوصفها قوة تكنولوجية وأمنية واستخباراتية.
لكن الدراسة تلفت إلى أن مؤشرات التآكل كانت موجودة قبل الحرب أيضًا، بفعل استمرار السيطرة على الفلسطينيين وتوسيع المستوطنات وغياب الأفق السياسي، إلى جانب الأزمة الداخلية حول الجهاز القضائي.
الحرب على غزة بدّدت "نافذة الشرعية"
وبحسب الدراسة، شكّل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر بدايةً "نافذة شرعية" واسعة للعمل العسكري الإسرائيلي، لكنها أُغلقت تدريجيًا مع استمرار الحرب واتساع نطاق الدمار والخسائر والأزمة الإنسانية في غزة.
كما لعب سلوك إسرائيل نفسه "دورًا مركزيًا" في توسيع دائرة الانتقادات والعداء لها، ولا سيما في ظل غياب تصور سياسي لليوم التالي للحرب وتصاعد التصريحات الإسرائيلية المتطرفة.
60% من الأميركيين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل
وأظهرت استطلاعات لمركز "بيو" أن 60% من الأميركيين كانت لديهم في 2026 نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ42% في 2022، فيما ارتفعت النسبة إلى 80% بين الديمقراطيين والمستقلين الميالين للحزب الديمقراطي.
كما أظهرت استطلاعات أُجريت في 36 دولة انتشارًا واسعًا للمواقف السلبية من إسرائيل، بما يعكس، وفق الدراسة، انتقال الأزمة من المستوى السياسي والمؤسساتي إلى الرأي العام أيضًا.
الاحتلال والاستيطان واتهامات بجرائم حرب
وتتركز الانتقادات الدولية على استمرار السيطرة على الفلسطينيين وتوسيع الاستيطان وخطوات تُفسَّر باعتبارها ضمًا فعليًا للضفة الغربية. وبحسب الدراسة، أسهم ذلك في انتشار توصيفات مثل "الأبارتهايد" إلى نطاق أوسع من الخطاب الدولي، فيما ألحق عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين وما يُنظر إليه باعتباره ضعفًا في تطبيق القانون ضدهم ضررًا إضافيًا بصورة إسرائيل.
وتناولت الدراسة كذلك الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي والإبادة الجماعية في غزة. وادعت شربيت باروخ أن الأساس القانوني لاتهام الإبادة، وفق تقييمها، "ضعيف"، لكنها تقر بأن مجرد انتقال هذا الاتهام من هامش النقاش إلى مركز الخطاب العام والدولي ألحق ضررًا شديدًا بمكانة إسرائيل.
"العلاقات العامة" وحدها لن تعالج الأزمة
وخلصت الدراسة إلى أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تعتمد على تحسين الدعاية أو "الشرح الإسرائيلي" فحسب، بل تتطلب إدخال الاعتبارات المتعلقة بالمكانة والشرعية الدولية في صلب عملية اتخاذ القرار.
ودعت إلى التمييز بين جهات معادية لإسرائيل بصورة جوهرية وبين حكومات ومؤسسات وقطاعات من الجمهور يمكن التأثير في مواقفها، بدل التعامل مع كل انتقاد باعتباره تعبيرًا عن معاداة السامية أو محاولة لنزع شرعية إسرائيل.
توصيات: مساعدات لغزة ومواجهة عنف المستوطنين وأفق سياسي
وأوصت الدراسة إسرائيل بإعادة التأكيد على الالتزام بقوانين الحرب، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية والعمل على تخفيف معاناة سكان غزة، ومواجهة عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين بصورة أكثر حزمًا.
كما دعت إلى التعامل مع الانتهاكات ضد الفلسطينيين، وإعادة النظر في السياسات المتبعة في الضفة الغربية، وطرح أفق سياسي يتعامل أيضًا مع المصالح الفلسطينية، بدل إبقاء الصراع من دون مسار سياسي.
الخلاصة: ما الذي تستطيع إسرائيل تغييره؟
وخلصت الدراسة إلى أن السؤال الذي ينبغي أن يشغل إسرائيل ليس ما إذا كان "العالم معها أو ضدها"، وإنما أين لا تزال لديها قدرة على التأثير، وما الذي يتعين عليها تغييره في سياساتها لمنع انتقال مزيد من الحكومات والمؤسسات والجماهير إلى دائرة منتقديها ومعارضيها.


