وافقت لجنة التخطيط والبناء في لواء الشمال على مخطط لإقامة حي سكني جديد في منطقة الساليزيان بمدينة الناصرة، يتضمن بناء أكثر من ألفي وحدة سكنية، ضمن مبانٍ يتراوح ارتفاعها بين ثلاثة طوابق وستة عشر طابقًا. ويأتي المخطط في ظل أزمة سكن متفاقمة في المدينة والمجتمع العربي عمومًا، ووسط تساؤلات حول قدرة المشروع على توفير حلول فعلية وبأسعار يمكن للأزواج الشابة والطبقة الوسطى تحملها.
وقال مراقب الحسابات والمستشار الاقتصادي هاني نجم إن الحديث يدور عن منطقة مقابلة لحي الجليل، غربي مدرسة نعمان، مشيرًا إلى أنه اطّلع على مستندات الخطة، ويرى فيها إشكاليات اقتصادية وتنفيذية لا يمكن تجاهلها. وأوضح أن تنفيذ المشروع، إذا سار فعلًا، قد يستغرق نحو عشر سنوات، وأن نجاحه لا يتوقف فقط على الموافقة التخطيطية، بل على الجدوى الاقتصادية، وتكاليف البنية التحتية، وطريقة تسويق الأراضي والوحدات السكنية.
إشكاليات اقتصادية قبل التنفيذ
هاني نجم: المشروع قد يخفف أزمة السكن إذا نُفّذ بأسعار معقولة، لكن التكاليف والبنية التحتية وضريبة التحسين قد تجعل تنفيذه صعبًا
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
11:24
وأشار نجم إلى أن الخطة تواجه، بحسب قراءته المهنية، عدة عقبات، بينها ضريبة تحسين مرتفعة، وخط كهرباء قائم يحتاج إلى معالجة ونقل، إضافة إلى الحاجة لإقامة بنى تحتية للمياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات. وأضاف أن المنطقة تضم أراضي خاصة وأخرى عامة، وأن أسعار الأراضي فيها مرتفعة أصلًا، ما قد يؤدي إلى رفع كلفة المشروع النهائية.
وأوضح أن لجنة التخطيط والبناء تفحص الجوانب التخطيطية والهندسية، لكنها لا تدخل بالضرورة في حسابات الربح والخسارة للمبادرين، مؤكدًا أن السؤال الاقتصادي المركزي هو ما إذا كان المبادر قادرًا على تنفيذ المشروع كاملًا، أم أنه سيتجه إلى بيع الأراضي أو أجزاء منها لمقاولين ومستثمرين آخرين.
هل يخفف المشروع أزمة السكن؟
ورأى نجم أن الناصرة بحاجة فعلية إلى مشاريع إسكان حديثة ومنظمة، لكنه شدد على أن المشروع لن يخفف أزمة السكن إذا تحوّل إلى وحدات سكنية بأسعار مرتفعة لا تناسب الأزواج الشابة والطبقة الوسطى. وقال إن المدينة تعاني هجرة سلبية، خصوصًا في صفوف الطبقة الوسطى، وهي الفئة القادرة على دعم الاقتصاد المحلي وتحريك المدينة، ما يفرض على البلدية والدولة والمجتمع المحلي العمل لتهيئة ظروف تبقي هذه الفئة داخل الناصرة.
وأضاف أن 20% من الوحدات المخططة ستكون بمساحات لا تتجاوز 80 مترًا، وهو بند إيجابي يمكن أن يخدم الأزواج الشابة، لكنه لفت إلى أن أسعار العقارات الحالية قد تجعل حتى الشقق الصغيرة بعيدة عن متناول كثيرين.
البنية التحتية: السؤال الأصعب
وتوقف نجم عند تحدي الشوارع والمداخل والمخارج في المنطقة، مشيرًا إلى أن بناء حي بهذا الحجم لا يمكن أن يسبق معالجة البنية التحتية. وقال إن الشوارع القائمة في محيط حي الجليل والصفافرة والساليزيان تعاني أصلًا ضغطًا وحركة سير كثيفة، متسائلًا كيف يمكن استيعاب ألفي وحدة سكنية إضافية من دون حلول جدية للمواصلات والطرق.
وشدد على أن الحديث لا يقتصر على الشوارع فقط، بل يشمل المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات، مؤكدًا أن المخطط على الورق لا يكفي، وأن الحصول على رخص البناء يجب أن يكون مشروطًا بإنجاز بنى تحتية واسعة ومسبقة.
مشروع خاص لا يضمن العدالة السكنية
وأكد نجم أن المشاريع الخاصة، خلافًا للمشاريع الحكومية، تعمل ضمن منطق السوق الحر، وبالتالي فإن المستثمر يسعى بطبيعة الحال إلى تحقيق ربح، وهذا مشروع من ناحيته. لكنه شدد على أن الدولة تتحمل مسؤولية توفير مسارات سكنية مدعومة، لأن غالبية الناس لا يستطيعون دفع مليون ونصف شيكل أو أكثر مقابل شقة.
وأضاف أن أزمة السكن في المجتمع العربي لا تُحل فقط عبر مشروع هنا أو هناك، بل تحتاج إلى قرار سياسي كبير: إما توسيع مسطحات البلدات العربية بصورة جدية، أو إقامة مدن وقرى عربية جديدة على أراضي الدولة. واعتبر أن غياب هذه القرارات يدفع العرب إلى البحث عن السكن خارج مدنهم وقراهم، في مناطق مثل نوف هجليل وحيفا وعكا وكرميئيل وغيرها.
انتقادات لسياسات الحكومة
وانتقد نجم السياسات الحكومية الحالية، معتبرًا أن الميزانيات والجهود تتجه نحو التوسع الاستيطاني بدل معالجة أزمة السكن في المجتمع العربي. وأشار إلى أن خطة 550 كانت تتضمن ميزانيات كبيرة للتخطيط والبنى التحتية في البلدات العربية، لكن أجزاء واسعة منها تعطلت أو ألغيت، ما أدى إلى تجميد مشاريع كان يمكن أن تفتح المجال أمام بناء منظم.
وقال إن الدولة، في الوقت الذي تغض الطرف فيه عن البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، لا توفر توسعًا حقيقيًا للمجتمع العربي، بل تستمر في هدم البيوت العربية، معتبرًا أن هذه السياسة تعمق أزمة السكن بدل حلها.


