تشويش الـGPS مستمر رغم وقف إطلاق النار: خبير سايبر يوضح الأسباب والمخاطر

أمين أبو هيكل لراديو الناس: ما يحدث هو "انتحال لإشارات الملاحة" يُستخدم دفاعيًا في أوقات الأزمات، لكنه قد يربك المواطنين والطوارئ والملاحة المدنية 

1 عرض المعرض
تشويش الـGPS مستمر رغم وقف إطلاق النار
تشويش الـGPS مستمر رغم وقف إطلاق النار
تشويش الـGPS مستمر رغم وقف إطلاق النار
(فلاش 90)
رغم دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لا يزال ملايين المواطنين يواجهون خللًا متكررًا في تطبيقات الملاحة، حيث تظهر مواقع داخل البلاد وكأنها في الأردن أو لبنان، أو تظهر تل أبيب ومناطق أخرى في مواقع جغرافية غير صحيحة. ويعود ذلك، وفق مختصين في أمن المعلومات، إلى استمرار التشويش المتعمّد على أنظمة تحديد المواقع GPS، وهي ظاهرة برزت بقوة منذ بدء الحرب، وتواصلت حتى بعد تراجع حدة المواجهات العسكرية.
وفي حديثه لراديو الناس، أوضح مختص السايبر وأمن المعلومات أمين أبو هيكل أن ما يحدث ليس خللًا تقنيًا عاديًا في الهواتف أو التطبيقات، بل إجراء معروف في عالم الأمن السيبراني والملاحة، يُستخدم عادة في أوقات الحروب والأزمات بهدف تضليل الصواريخ والطائرات المسيّرة.

"هذه هجمة انتحال وليست عطلًا عاديًا"

أمين أبو هيكل: إجراء دفاعي لتضليل المسيّرات والصواريخ
المنتصف مع محمد أبو العز محاميد
05:02
قال أبو هيكل إن تعطّل أنظمة GPS في أوقات الأزمات أمر متوقع، مضيفًا: "هذا أمر طبيعي في الحروب والأزمات، وقد شهدنا في مرات سابقة تعطلًا في أنظمة تحديد المواقع خلال فترات التوتر الأمني".
وأوضح أن التسمية المهنية لهذه الظاهرة هي GPS Spoofing، أي انتحال أو تزوير إشارات تحديد الموقع، مشيرًا إلى أنها لا تقوم فقط بحجب الإشارة، بل تبث إشارة بديلة تجعل الجهاز يعتقد أنه موجود في مكان آخر.
وأضاف: "في الأمن السيبراني نسمّي هذا النوع من الهجمات هجمة انتحال لإشارة GPS. الفكرة أن يتم التلاعب بالتردد الذي تعتمد عليه أجهزة الملاحة، لأن هذه الإشارة تُستخدم لتحديد مسار الطائرات المسيّرة أو الصواريخ القادمة من مواقع معروفة أو مجهولة".

إجراء دفاعي لتضليل المسيّرات والصواريخ

بحسب أبو هيكل، فإن استخدام التشويش أو الانتحال في أنظمة الملاحة يأتي ضمن منظومات دفاعية تُفعّل في حالات الخطر أو توقع هجمات، بهدف حماية مناطق داخل البلاد من تهديدات محتملة.
وقال: "الجيش يتعامل مع هذه المنظومة كجزء أساسي من الردع والدفاع عن المناطق، والهدف هو تضليل الصواريخ أو الطائرات المسيّرة في حال وقوع إطلاق فعلي".
وأضاف أن وقف إطلاق النار هو قرار سياسي، لكنه لا يعني بالضرورة توقف المنظومات العسكرية الدفاعية عن العمل، موضحًا: "وقف إطلاق النار هو وقف سياسي، أما في المجال العسكري والدفاعي فتبقى المنظومات في حالة استعداد. هذا النوع من الدفاع يعتمد على انتحال الترددات بهدف حماية المناطق التي قد تكون معرضة للخطر".

توسيع التشويش مؤشر على رفع مستوى الحذر

وتطرق أبو هيكل إلى اتساع رقعة التشويش في بعض الفترات، معتبرًا أن ذلك قد يعكس تقديرات أمنية بوجود تهديد محتمل أو توقع ضربة من جهة غير واضحة.
وقال: "عادة يتم التشويش في مناطق محددة، خصوصًا على الحدود. لكن عندما تتسع الرقعة فهذا يدل على توسيع نطاق التضليل، ولا يحدث ذلك إلا إذا كانت هناك مخاوف أو معلومات عن احتمال مشكلة معينة".
وأشار إلى أن هذه الخطوات قد تكون احترازية، وليست بالضرورة دليلًا على هجوم وشيك، مضيفًا أن المنظومات الدفاعية قد تُفعّل أحيانًا لاختبار جاهزيتها أو للتعامل مع سيناريوهات محتملة.

مخاطر على الطوارئ والطيران والملاحة

ورغم الطابع الدفاعي لهذه الإجراءات، حذر أبو هيكل من أن التشويش قد يترك آثارًا تقنية وميدانية على المواطنين، وكذلك على قطاعات حساسة مثل الإسعاف والشرطة والطيران المدني والملاحة البحرية.
وأوضح أن أجهزة الطوارئ، رغم امتلاكها منظومات وترددات خاصة، لا تكون معزولة تمامًا عن تأثير التشويش، قائلاً: "السفن والطائرات وسيارات الإسعاف والشرطة لديها أنظمة اتصال وملاحة، لكنها في النهاية تستخدم أيضًا تقنيات قد تتأثر بالتعطيل. لذلك، من المؤكد أن التشويش يضر بها، لكن هذا الضرر يبقى مؤقتًا، ويُنظر إليه أحيانًا كضرر محدود مقارنة بخطر أمني أكبر محتمل".
وأشار إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الأجهزة تتلقى إشارات من الأقمار الاصطناعية، لكن التشويش يحدث محليًا داخل المنطقة التي يوجد فيها المستخدم، ما يؤدي إلى ظهور موقع خاطئ على الشاشة.

نصائح للمواطنين: لا تعتمدوا كليًا على الشاشة

وفي ظل استمرار الخلل في تطبيقات الملاحة، دعا أبو هيكل المواطنين، خصوصًا في المناطق الحدودية أو القريبة من خطوط التوتر، إلى عدم الاعتماد الكامل على تطبيقات GPS عند التنقل. وقال: "على المواطنين ألا يعتمدوا بشكل مطلق على الشاشة التي تظهر أمامهم، خاصة في المناطق الشمالية أو القريبة من الحدود، لأنها الأكثر عرضة للتشويش. في هذه الحالات قد يظهر الشخص وكأنه في بيروت أو في مطار الملكة علياء، وهذا جزء من تأثير التشويش".
ونصح باستخدام الخرائط بوضعية عدم الاتصال بالإنترنت، موضحًا: "يمكن للمواطن الدخول إلى خرائط جوجل وتحميل الخريطة مسبقًا لاستخدامها بوضعية أوفلاين، ثم التنقل وفق الاتجاهات العامة والخريطة المخزنة، بدل الاعتماد الكامل على الموقع الحي الذي قد يكون غير دقيق".
وأضاف أن هذه الطريقة قد تقلل من الأخطاء في المسارات والمسافات، لأن الخلل في GPS قد يؤدي إلى احتساب طرق أطول أو إظهار مسارات غير منطقية.

هل تنتهي الظاهرة قريبًا؟

وعن موعد انتهاء هذه المشكلة، أوضح أبو هيكل أن استمرار التشويش مرتبط بالوضع الأمني وبقرار تشغيل المنظومات الدفاعية، لكنه رجّح أن يكون ما يحدث في بعض الأحيان اختبارًا للمنظومات وليس تفعيلًا قتاليًا مباشرًا. وقال: "الوضع القائم قد يكون في جزء منه تجربة لهذه التقنية، وليس بالضرورة تفعيلًا كاملًا كما حدث في فترات سابقة. بعض المنظومات قد تُشغّل اليوم بهدف فحص جاهزيتها، خاصة أن جزءًا منها مرتبط بالأمن السيبراني وجزءًا آخر بالبنية التحتية والكهرباء".
وأضاف أن الظاهرة قد تنتهي خلال ساعات أو تعود بشكل متقطع، وفق الحاجة الأمنية، مشيرًا إلى أن "الوضع الحالي مؤقت، وقد يزول التشويش وتعود الأمور إلى طبيعتها، لكن ذلك مرتبط بتقديرات الجهات الأمنية وبعمل المنظومات الدفاعية".