تتزايد التحذيرات من اتساع الأزمة النفسية في المجتمع في أعقاب الحرب الأخيرة، في ظل معطيات تشير إلى أن نحو خُمس المجتمع يظهر مؤشرات مرتبطة باضطراب ما بعد الصدمة، إلى جانب ارتفاع في أعراض القلق المزمن، والاكتئاب، والوسواس القهري، وبعض أشكال الإدمان، ما يعكس حجم الضغط النفسي المتراكم الناتج عن حالة الطوارئ المستمرة وانعدام الاستقرار.
وفي حديثه لراديو الناس، قال د. ياسر بشير، الطبيب النفسي المختص في علاج الصدمات النفسية والباحث في مجال الصحة النفسية، إن هذه المعطيات ليست مفاجئة في ظل ما عاشه الناس خلال فترة الحرب، مشيرًا إلى أنه حذّر منذ بدايتها من ضرورة اليقظة تجاه ما قد يتطور لاحقًا من اضطرابات نفسية.
د. ياسر بشير: الضعف النفسي الذي نعيشه اليوم هو استجابة طبيعية لواقع غير طبيعي
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
10:26
وأوضح بشير أن حالة القلق الجماعي التي عاشها الناس تحوّلت مع الوقت إلى نمط حياة يومي، الأمر الذي قد ينقل الإنسان من القلق الطبيعي إلى القلق المزمن، ثم إلى صدمات نفسية أكثر تعقيدًا. وقال: "حذّرت منذ بداية الحرب من أن القلق المستمر قد يتحول مع الوقت من قلق طبيعي نعيشه يوميًا إلى قلق مزمن، وقد يتطور إلى صدمات نفسية، وهذا للأسف ما نراه اليوم".
متى يصبح القلق مؤشرًا خطيرًا؟
وبيّن د. بشير أن القلق الطبيعي قد يكون جزءًا من الحياة اليومية، بل قد يساعد الإنسان أحيانًا على الانتباه والقيام بمهامه في البيت والعمل والحياة العامة. لكنه شدد على أن الخطر يبدأ عندما يتحوّل هذا القلق إلى حالة دائمة تؤثر على الجسد والسلوك والعلاقات.
وقال: "القلق الطبيعي لا يؤثر عادة على النواحي الجسدية أو على قدرة الإنسان على أداء حياته اليومية، أما عندما يصبح مزمنًا ويصل إلى حالة يقظة دائمة واستنفار متواصل، فهنا تبدأ المشكلة".
وأشار إلى أن العلامات التي تستدعي الانتباه تشمل التوتر المستمر، صعوبات النوم، فقدان الشهية أو الأكل العاطفي، الانسحاب من العلاقات الاجتماعية، الشعور الدائم بالتهديد، الضبابية، وعدم القدرة على الإحساس بالأمان.
وأضاف أن استمرار هذه الحالة يرهق الجهاز العصبي والنفسي، وقد يدفع الإنسان إلى التكيف مع الصدمة كأنها جزء طبيعي من حياته، محذرًا من أن تجاهل الأعراض في بدايتها يجعل العلاج لاحقًا أكثر تعقيدًا وطولًا.
الوسواس القهري كآلية هروب من الضغط
وتطرق د. بشير إلى الارتفاع في أعراض الوسواس القهري خلال فترات الحرب والطوارئ، موضحًا أن الوسواس القهري هو سلوك متكرر وغير مسيطر عليه، قد يظهر في صورة وسواس النظافة أو الترتيب أو الخوف من الاندماج في المجتمع أو توقع وقوع كارثة.
وقال: "الوسواس القهري يقوم على أفكار غير عقلانية وغير منطقية تتملك الشخص، وتدفعه إلى تكرار سلوك معين، وكأن عدم القيام به قد يهدد حياته أو صحته".
وأوضح أن هذه الحالة ترتبط غالبًا بتراكم القلق المكبوت داخل الإنسان، حيث تتحول الضغوط النفسية غير المعبّر عنها إلى أعراض وسلوكيات قهرية. واعتبر أن السلوك المتكرر في الوسواس القهري قد يكون محاولة من الدماغ للهروب من الضغط النفسي الهائل ومنع الانهيار.
وأضاف: "أحيانًا يهرب الدماغ إلى أمراض من هذا النوع كي لا ينهار الجسد تحت وطأة الضغط. لذلك يجب أن نكون واعين بأن الأساس هو الضغط النفسي الذي نحتاج إلى التخلص منه قبل أن يتحول إلى أمراض نفسية أو جسدية".
أعراض جسدية للضغط النفسي
ولفت بشير إلى أن الضغوط النفسية لا تظهر فقط في المزاج والسلوك، بل قد تتحول إلى أعراض جسدية واضحة، مثل مشكلات الجلد، واضطرابات الهضم، والشقيقة، وآلام متكررة لا يجد لها الشخص تفسيرًا مباشرًا.
وأوضح أن كثيرين يسألون أنفسهم في الفترة الأخيرة: "ماذا يحدث لي؟"، مشيرًا إلى أن جزءًا من هذه الأعراض قد يكون مرتبطًا بتراكم التوتر والخوف والقلق، لا سيما في ظل التعرض المستمر للأخبار والتهديدات والأحداث الصادمة.
البيئة العائلية والاجتماعية جزء من العلاج
وشدد د. بشير على أهمية الدعم الاجتماعي والعائلي في التعامل مع الصدمة والقلق، محذرًا من الانعزال أو الهروب من الناس المحيطين. وقال إن الإنسان يحتاج إلى بيئة آمنة وداعمة تساعده على التعبير عما يمر به، وتوجهه إلى العلاج الصحيح عند الحاجة.
وأضاف: "نحن بحاجة إلى بيئة داعمة وآمنة، وإلى أشخاص يلاحظون ما نمر به ويساعدوننا على الخروج من الدائرة المغلقة. الضعف النفسي الذي نعيشه اليوم هو استجابة طبيعية لواقع غير طبيعي".
واعتبر أن هذه الجملة تلخص جوهر الأزمة، إذ إن المشكلة لا تكمن في الفرد وحده، بل في الواقع الضاغط الذي يعيشه، وما يفرضه من توتر وخوف وفقدان للسيطرة.
الإدمان كطريق للهروب النفسي
وفي ما يتعلق بارتفاع مؤشرات الإدمان، أشار د. بشير إلى أن بعض الأشخاص قد يلجؤون إلى أنماط هروب نفسية عندما يعجزون عن تحمل الضغط، سواء من خلال سلوكيات قهرية أو إدمان أو عزلة أو استهلاك مفرط للأخبار.
وقال إن هذه السلوكيات قد تمنح الإنسان شعورًا مؤقتًا بالسيطرة أو التخدير، لكنها لا تعالج المشكلة الأساسية، بل قد تزيدها تعقيدًا إذا لم يتم التعامل مع جذورها النفسية.
توصيات للتعامل مع القلق في أوقات الطوارئ
ودعا بشير إلى تنظيم التعرّض للأخبار وعدم الانغماس في تدفق مستمر من المعلومات الصادمة، مؤكدًا أن الإنسان ليس مطالبًا بأن يعرّض نفسه طوال الوقت لكمّ هائل من الأخبار والضغوط التي قد تؤدي إلى الاكتئاب أو الصدمة.
وقال: "حاولوا تنظيم انكشافكم للأخبار والضغوط النفسية. ليس واجبًا على الإنسان أن يتعرض طوال الوقت لهذا الكم الهائل من الأخبار التي قد تشكل حالة من الصدمة والاكتئاب".
كما شدد على أهمية التواصل مع أشخاص آمنين وداعمين، وعدم التخلي عن العلاقات الاجتماعية القريبة، إضافة إلى الاهتمام بجودة النوم، ونوعية الطعام، وتنظيم تفاصيل الحياة اليومية.
وختم د. بشير بالتأكيد على ضرورة إدراك الطريقة التي يتعامل بها الجسد والنفس مع الضغوط، قائلًا إن المشكلة ليست فقط في الحرب أو الضغوط نفسها، بل في أن الجسم لا يعرف متى تنتهي هذه الضغوط ولا كيف يفرزها بشكل صحيح.
وأضاف: "علينا أن نعرف كيف نتعامل مع هذه الضغوط، وأن نفلترها بطريقة صحيحة، وأن نحيّد الأمور الضاغطة عن حياتنا قدر الإمكان، حتى نستطيع الاستمرار بشكل سليم".


