الحليب يزعج معدتك؟ ليس بالضرورة حساسية لاكتوز وأطباء يوضحون الفرق

أطباء يوضحون الفرق بين عدم تحمّل اللاكتوز والحساسية الحقيقية للحليب، ويؤكدون أن المشكلة لا تعني دائمًا ضرورة الامتناع الكامل عن منتجات الألبان

1 عرض المعرض
الحليب
الحليب
الحليب
(فلاش 90)
باتت عبارة "أنا حساس للاكتوز" أكثر حضورًا في أحاديث الناس اليومية، خصوصًا لدى من يعانون بعد تناول الحليب أو القهوة بالحليب أو البيتزا أو المثلجات من انتفاخ في البطن، غازات، آلام معوية أو إسهال. وبينما يشعر البعض بأن أجسامهم تغيّرت فجأة، يطرح السؤال نفسه: هل ارتفعت فعلًا حالات عدم تحمّل اللاكتوز، أم أن الوعي الصحي جعل الناس أكثر قدرة على تشخيص ما كانوا يتعايشون معه سابقًا بصمت؟

ليست كل ردة فعل تجاه الطعام حساسية

توضح الدكتورة نتالي تمير دغبلي، المختصة في الطب الداخلي وأمراض الجهاز الهضمي في مستشفى بيلنسون، أن كثيرين يخلطون بين الحساسية الغذائية وعدم تحمّل الطعام. فالحساسية هي رد فعل مناعي تجاه مادة معينة، وقد تظهر من خلال طفح جلدي أو تغيّر في نبض القلب، وفي الحالات الشديدة قد تصل إلى خطر حقيقي على الحياة.
أما عدم تحمّل الطعام فهو مشكلة هضمية بالأساس، إذ لا يتمكن الجسم من تفكيك مركّب غذائي معين، مثل سكر الحليب أو بعض الدهون، ما يؤدي إلى آلام في البطن وانتفاخ وإسهال. ورغم أن هذه الحالة ليست مهددة للحياة، فإنها قد تؤثر بشكل كبير على جودة الحياة اليومية وراحة الشخص.

اللاكتوز أم حساسية الحليب؟

تؤكد الدكتورة شيرا بن أور، مديرة عيادة الحساسية لدى الأطفال في مركز إيخيلوف الطبي، أن عدم تحمّل اللاكتوز يختلف تمامًا عن الحساسية الحقيقية للحليب. فعدم تحمّل اللاكتوز ينتج عن نقص في إنزيم "اللاكتاز"، وهو الإنزيم المسؤول عن تفكيك سكر الحليب في الأمعاء الدقيقة. ومع التقدم في العمر، تنخفض مستويات هذا الإنزيم لدى بعض الأشخاص، فتتراجع قدرة الجسم على هضم منتجات الحليب.
وتشير بن أور إلى أن هذه الحالة قد تسبب آلامًا في البطن وغازات وإسهالًا، لكنها لا تُعد خطيرة، ويمكن التعامل معها من خلال منتجات خالية من اللاكتوز أو تناول أقراص اللاكتاز قرب الوجبة، إلى جانب إمكانية تشخيصها عبر فحص تنفس خاص. أما حساسية الحليب فهي رد فعل مناعي تجاه بروتين حليب البقر، وتظهر غالبًا لدى الرضع والأطفال الصغار، وفي معظم الحالات تزول مع العمر.

الغذاء الحديث يزيد الأعراض

يرى الأطباء أن نمط الحياة الغذائي الحديث يلعب دورًا مهمًا في زيادة الشكاوى المرتبطة بالهضم. فالاستهلاك المتزايد للأغذية المصنعة والسكريات والطعام الصناعي، مقابل تراجع الطهي المنزلي، قد يؤثر في الجهاز الهضمي وفي تركيبة البكتيريا النافعة في الأمعاء. كما أن تنوع منتجات الحليب وارتفاع استهلاكها اليومي يعنيان أن كثيرين يتعرضون لكميات أكبر من اللاكتوز مقارنة بالماضي.
وبحسب الدكتورة تمير دغبلي، فإن ما يبدو للبعض كـ"انتشار مفاجئ" لحساسية اللاكتوز يرتبط أيضًا بارتفاع الوعي الصحي. فالناس اليوم لم يعودوا يتقبلون الألم والانتفاخ كأمر طبيعي، وأصبحوا أكثر ميلًا للتوجه إلى الفحوص الطبية، في وقت باتت فيه وسائل التشخيص أكثر توفرًا ودقة.

التعقيم الزائد ونمط الحياة الحديث

إلى جانب التغذية، يتحدث الباحثون عن دور محتمل لما يُعرف بـ"نظرية النظافة"، وهي فرضية تقول إن الحياة الحديثة شديدة التعقيم وقلة التعرض المبكر لبيئات ومأكولات متنوعة قد تؤثر في تطور جهاز المناعة، وتجعل الجسم أكثر قابلية لتطوير حساسيات أو ردود فعل غير مرغوبة.
وتوضح الدكتورة بن أور أن نمط الحياة الحديث، البعيد عن الطبيعة والمليء بالتعقيم، قد لا يساعد دائمًا على تطور سليم لجهاز المناعة، رغم أن إثبات علاقة سببية مباشرة بين هذه العوامل والحساسيات لا يزال صعبًا. وتشير إلى أن بعض الدراسات ربطت بين الإفراط في استخدام مواد التعقيم أو التعرض المحدود للميكروبات وبين ارتفاع بعض أمراض الحساسية.

لماذا تظهر المشكلة فجأة؟

من أكثر الأسئلة شيوعًا: كيف يستطيع شخص تناول الحليب والجبن سنوات طويلة بلا مشكلة، ثم يبدأ فجأة بالشعور بالانتفاخ أو آلام البطن؟ تقول الدكتورة تمير دغبلي إن الجهاز الهضمي لدى الإنسان لا يكون بالضرورة قادرًا على هضم اللاكتوز بكفاءة طوال الحياة، إذ قد تنخفض مستويات إنزيم اللاكتاز مع التقدم في العمر أو نتيجة تغيّرات في التغذية، أو الميكروبيوم، أو استخدام أدوية ومكملات، أو بسبب التدخين والكحول.
وتشدد على أن عدم تحمّل اللاكتوز لا يُعد مرضًا خطيرًا، بل حالة يمكن إدارتها من خلال تعديلات غذائية مناسبة، بحيث يكون الهدف تقليل الأعراض والحفاظ على جودة الحياة، لا حرمان الشخص تلقائيًا من كل منتجات الحليب.

ليس كل الحليب متشابهًا

لا تحتوي جميع منتجات الألبان على الكمية نفسها من اللاكتوز. فحليب البقر والقشدة يحتويان عادة على نسب أعلى، بينما تحتوي الأجبان الصلبة على كمية أقل بسبب طريقة تصنيعها، كما أن حليب الماعز يحتوي طبيعيًا على كمية أقل من اللاكتوز. لذلك، قد يتمكن بعض الأشخاص من تناول أنواع معينة من الألبان دون أخرى.
وينصح الأطباء بعدم حذف منتجات الحليب من النظام الغذائي بشكل كامل قبل إجراء فحص طبي منظم، لأن أعراضًا مثل الانتفاخ أو آلام البطن قد تنتج أيضًا عن التهابات أو أمراض مناعية أو اضطرابات أخرى في الجهاز الهضمي.

تحذير من الامتناع العشوائي عند الأطفال

بالنسبة للأطفال، تحذر الدكتورة بن أور من التسرع في منع الحليب ومشتقاته بسبب طفح جلدي خفيف أو ألم بطن عابر، إذ قد يكون الأمر مجرد تهيج جلدي ناتج عن ملامسة الطعام وليس حساسية حقيقية. وتؤكد أن الامتناع الطويل وغير المبرر عن منتجات الحليب في مرحلة الطفولة قد يزيد في بعض الحالات خطر تطور حساسية للحليب لاحقًا.
كما تلفت إلى ضرورة الانتباه إلى بعض المنتجات التي تُسوّق على أنها "نباتية" أو "بارفيه"، لأن بعضها قد يحتوي رغم ذلك على بروتين حليب البقر، ما يجعلها غير مناسبة للأطفال الذين يعانون من حساسية حقيقية للحليب.