قال الطيار المدني وسيم أبو عيطة إن الحادثة التي شهدتها رحلة "فلاي دبي"، بعد الاعتداء على قائد الطائرة ومحاولة السيطرة عليها، تُعد سيناريو استثنائيًا ونادرًا للغاية في عالم الطيران المدني، مشيرًا إلى أن منظومات الحماية الحديثة تجعل اختطاف الطائرات من خارج قمرة القيادة شبه مستحيل، إلا إذا كان مصدر الخطر من أحد أفراد طاقم القيادة نفسه.
وجاءت تصريحات أبو عيطة في مقابلة مع "راديو الناس"، غداة وصول طائرة إجلاء إلى مطار بن غوريون وعلى متنها المسافرون الإسرائيليون وعدد من المسافرين العرب الذين علقوا في السعودية عقب الحادثة.
وقال أبو عيطة إن ما جرى "شيء صعب جدًا وغير متوقع"، موضحًا أن التغييرات التي أُدخلت على الطائرات التجارية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر جعلت الوصول إلى قمرة القيادة والسيطرة عليها من قبل الركاب أو أشخاص من خارج الطاقم أمرًا بالغ الصعوبة.
"الخطر الأكبر عندما يأتي من داخل قمرة القيادة"
وسيم أبو عيطة: "الخطر الأكبر عندما يأتي من داخل قمرة القيادة"
هذا النهار مع محمد مجادلة
05:28
وأوضح أبو عيطة أن الأبواب والأنظمة الأمنية التي تحمي قمرة القيادة صُممت أساسًا لمنع أي محاولة اقتحام من الخارج، ولذلك فإن السيناريو الأكثر تعقيدًا، من الناحية الأمنية، هو أن يكون مصدر الخطر أحد الطيارين أنفسهم. وقال إن ما يجعل حادثة "فلاي دبي" استثنائية هو أن محاولة السيطرة على الطائرة، بحسب الروايات المتداولة، بدأت من داخل قمرة القيادة، وليس من بين الركاب.
وأشار إلى أن هذا النوع من السيناريوهات يصعب توقعه مسبقًا، لأنه يتعلق بشخص لديه أصلًا صلاحيات كاملة للوصول إلى أنظمة الطائرة والتحكم بها.
الصندوق الأسود قد يكشف تفاصيل ما دار داخل القمرة
وحول التحقيقات الجارية، أوضح أبو عيطة أن قمرة القيادة ليست مصورة بشكل دائم، لكن جهاز تسجيل أصوات قمرة القيادة، وهو جزء من منظومة "الصندوق الأسود"، يسجل الأصوات والأحاديث التي تدور بين أفراد الطاقم.
وأكد أن الحديث الذي دار بين الطيارين قبيل وقوع الاعتداء وخلاله يُفترض أن يكون موثقًا، الأمر الذي قد يساعد المحققين على إعادة بناء التسلسل الدقيق للأحداث وفهم ما حدث داخل قمرة القيادة.
وأضاف أن تحليل تسجيلات الصندوق الأسود، إلى جانب بيانات الرحلة وحركة الطائرة، سيكون من أهم الأدوات لتحديد دوافع الحادثة والطريقة التي تطورت بها.
كيف تمكن الركاب من دخول قمرة القيادة؟
وتطرق أبو عيطة إلى أحد أبرز الأسئلة التي أثيرت بعد الحادثة، وهو كيفية تمكن الركاب من الوصول إلى قمرة القيادة رغم الإجراءات الأمنية المشددة.
وأوضح أن إحدى الفرضيات المتداولة تشير إلى أن قائد الطائرة الذي تعرض للاعتداء ربما تمكن من فتح باب القمرة خلال المواجهة، بعدما سمع ركاب أصوات شجار في الداخل، ما أتاح لأحدهم التدخل ومحاولة تقديم المساعدة.
وأضاف أن وجود طاقم طيران إضافي بالصدفة على متن الرحلة لعب، على ما يبدو، دورًا بالغ الأهمية في استعادة السيطرة على الطائرة ومواصلة الرحلة حتى الهبوط.
وقال: "الله ستر أنه كان هناك طاقم طيارين"، مشيرًا إلى أن أنظمة الطائرات الحديثة قادرة على تنفيذ مراحل متقدمة من الطيران والهبوط آليًا، لكن وجود طيار مؤهل يبقى ضروريًا للإشراف على الإجراءات وتحديد مسار الطائرة ومكان هبوطها.
آلاف الأمتار خلال نحو نصف دقيقة
ووصف أبو عيطة الانخفاض الحاد الذي سجلته الطائرة بأنه من أخطر عناصر الحادثة، بعد تداول معطيات تشير إلى هبوطها من ارتفاع يقارب ثلاثين ألف قدم إلى نحو خمسة عشر ألف قدم خلال قرابة ثلاثين ثانية.
وقال إن الحديث يدور عن انخفاض يناهز أربعة إلى خمسة كيلومترات خلال فترة زمنية قصيرة للغاية، واصفًا الرقم بأنه "خيالي وخطير جدًا". وأوضح أن مثل هذا الهبوط المفاجئ يولد قوى شديدة داخل الطائرة، وقد يؤدي إلى إصابات خطيرة للركاب غير المثبتين بأحزمة الأمان. وأضاف أن من لا يكون جالسًا ومثبتًا بحزام الأمان في ظروف كهذه قد يُقذف داخل المقصورة بفعل قوة الحركة والتغير السريع في ارتفاع الطائرة.
"النجاة ارتبطت بسلسلة عوامل حاسمة"
ووفق أبو عيطة، فإن نجاة الرحلة ارتبطت بمجموعة عوامل تزامنت في وقت واحد، من بينها تدخل الركاب، ووجود طاقم طيران إضافي، والقدرة على استعادة السيطرة على الطائرة، وصولًا إلى تنفيذ الهبوط في السعودية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الحادثة ستخضع على الأرجح لتحقيق فني وأمني موسع، لمعرفة ما حدث داخل قمرة القيادة ودراسة أداء أنظمة الطائرة والطاقم والركاب خلال اللحظات الحرجة. وقال أبو عيطة في ختام المقابلة: "الحمد لله على سلامة جميع المسافرين".


