في ظل الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، واستمرار الحرب، وحالة الطوارئ، خاصة في مناطق شمالي البلاد، يجد كثير من الأهالي أنفسهم أمام واقع معيشي ضاغط يدفعهم إلى إعادة ترتيب أولوياتهم المالية، والحد من المصاريف غير الضرورية، والبحث عن بدائل أقل كلفة وأكثر أمانا. وفي هذا السياق، قال الخبير في علم النفس الاستهلاكي والمستشار التنظيمي عبد الهادي الخروب إن الحرب لم تترك أثرها على الواقع الأمني فقط، بل أعادت تشكيل السلوك الاستهلاكي للأفراد والعائلات بصورة عميقة ومركبة.
بين الاختناق النفسي والبحث عن متنفس
عبد الهادي الخروب: الأمل بالعودة إلى العمل يحفّز الإنفاق
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
10:02
أوضح الخروب في مقابلة على راديو الناس أن الضبابية التي ترافق المرحلة الحالية، والخوف من استمرار الحرب أو تجددها، يؤثران مباشرة في نمط الاستهلاك، مشيرا إلى أن هذا التأثير يسير في اتجاهين متوازيين: فمن جهة، تدفع الضغوط النفسية بعض الناس إلى التوجه نحو الأسواق والمجمعات التجارية ليس بدافع الوفرة الاقتصادية، بل بحثا عن متنفس نفسي وتخفيف لحالة الاختناق التي فرضتها الأشهر الأخيرة.
وقال الخروب: "شهدت المراكز التجارية في الأيام الأخيرة ارتفاعا في الاستهلاك، لكن هذا لم يكن ناتجا عن وفرة اقتصادية، بل عن حاجة نفسية إلى التنفيس، لأن الناس وصلت إلى حالة من الاختناق وأرادت أن تخرج ولو قليلا من هذا الضغط".
الأمل بالعودة إلى العمل يحفّز الإنفاق
ومن جهة أخرى، أشار إلى أن عودة بعض العاملين إلى أماكن عملهم أو إعادة فتح بعض المصالح التجارية يخلق لدى الأسر شعورا بالأمل والتشجيع، ما ينعكس على قرارات الشراء والإنفاق، حتى لو ظل الواقع الاقتصادي العام صعبا.
وأضاف: "حين يشعر رب الأسرة أو ربة الأسرة أن هناك عودة إلى العمل، أو أن المصلحة التجارية بدأت تستعيد نشاطها، ينشأ نوع من الأمل، وهذا الأمل يشجع على الاستهلاك وكأن الوفرة ستأتي لاحقا".
لكنه لفت في المقابل إلى أن الأسر التي لم تستعد بعد قدرتها على العمل أو لم تسترجع دورة دخلها الطبيعية، تدخل في حالة من الشح المالي، ما يفرض عليها تقليص الإنفاق إلى الحد الأدنى والتركيز على الضروريات فقط.
سلوك استهلاكي أكثر تعقيدا من أزمات سابقة
بحسب الخروب، فإن السلوك الاستهلاكي في هذه المرحلة أكثر تعقيدا من فترات ما بعد جائحة كورونا أو حتى الحروب السابقة، لأن الأزمة الحالية ذات أبعاد أوسع، تمتد من المستوى المحلي إلى الإقليمي والعالمي، وتؤثر في الإمدادات والأسعار وطرق الشراء.
وقال: "الوضع الذي نعيشه اليوم من ناحية السلوك الاستهلاكي أشد تركيبا من مراحل سابقة، لأننا لا نتحدث عن أزمة محلية فقط، بل عن أزمة ذات طابع إقليمي وعالمي تنعكس على الأسعار، وسلاسل التوريد، وحتى على ثقة المستهلك".
تراجع الثقة بالتسوق الإلكتروني
وفي ما يتعلق بأنماط الشراء، أشار الخروب إلى أن التسوق الإلكتروني، الذي كان يشكل خيارا مفضلا لدى كثيرين في السنوات الأخيرة، بدأ يواجه تحديات واضحة بسبب التأخير في التوصيل، وارتفاع الأسعار، والاضطرابات التي تمس حركة الشحن العالمية، ما أدى إلى تراجع ثقة المستهلك في هذه الآلية.
وأوضح أن تعطل سلاسل التوريد والتأخير في وصول المنتجات يدفعان المستهلك إلى إعادة النظر في خياراته، والعودة أحيانا إلى البدائل الملموسة والمحلية. وقال: "عندما تتزعزع ثقة المستهلك في سيرورة الشراء وفي موعد التوصيل، فإنه يتجه إلى البدائل الملموسة، لأن أزمة الثقة هنا تصبح عاملا أساسيا في القرار الاستهلاكي".
أولوية الضروريات في زمن الضبابية
وشدد الخروب على أن ترتيب الأولويات لم يعد ترفا أو خيارا ثانويا، بل بات ضرورة ملحة في ظل عدم الاستقرار الاقتصادي وضبابية المرحلة. فكل عملية شراء، وفق تعبيره، باتت ترتبط بحسابات أكثر دقة، تأخذ في الاعتبار حجم الدخل، واحتمالات تراجع العمل، وارتفاع المصروفات، وعدم وضوح المستقبل القريب.
وقال: "مراعاة الأولويات أمر ضروري جدا، سواء كنا في حالة طوارئ أو لا، لكن في هذه الأيام تصبح أكثر إلحاحا، لأن الضبابية وعدم وضوح الصورة يجعلان استهلاك الضروريات أكثر أولوية من أي وقت مضى".
بين التنفيس النفسي والانضباط المالي
ورغم إقراره بالحاجة النفسية إلى الخروج والترفيه وكسر الضغط، دعا الخروب إلى عدم الانجرار وراء الشراء العاطفي أو الإنفاق غير المتزن، مشيرا إلى أن المعادلة المطلوبة اليوم تقوم على التوازن بين الاحتياجات النفسية والقدرة الاقتصادية الفعلية لكل أسرة.
وأضاف: "لا يمكن أن نطلب من الناس ألا يخرجوا أو ألا يبحثوا عن متنفس، لكن في المقابل يجب أن يكون هذا التنفيس متوازنا وعلى قدر الميزانية، لا أن يتحول إلى شراء عاطفي أو استهلاك غير محسوب".
كما شدد على أن النصائح العامة، مثل الادخار للطوارئ، ما زالت مهمة، لكن تطبيقها اليوم يجب أن يكون أكثر واقعية ومرونة، لأن الظروف تختلف من شخص إلى آخر، ولكل عائلة قدرة مختلفة على التحمل والإنفاق. وقال: "النصيحة اليوم مركبة من أمرين: التوازن، والنسبية. ما يصلح لغيري ليس بالضرورة أن يصلح لي، لأن ظروف الناس وقدراتهم الاقتصادية ليست واحدة".
فرصة لإعادة تعريف الاستهلاك الواعي
وفي ختام حديثه، أشار الخروب إلى أن الأزمة، رغم قسوتها، قد تحمل جانبا إيجابيا يتمثل في إعادة تعريف مفهوم "الاستهلاك الواعي"، أي الاستهلاك الذي يقوم على التفكير بالحاجة الفعلية، وضبط الرغبات، والموازنة بين الضروري والكمالي، بما ينسجم مع الواقع الاقتصادي والنفسي لكل فرد وعائلة.
First published: 14:10, 13.04.26


