تصعيد إسرائيلي ضد تركيا: إسرائيل تتجه للاعتراف بـ"الإبادة الأرمنية"

الحكومة تبحث للمرة الأولى قرارًا رسميًا يدينه التاريخ التركي الحديث والخطوة تأتي وسط أزمة عميقة مع أنقرة واتهامات متبادلة بين أردوغان ونتنياهو بشأن “الإبادة” في غزة وأرمينيا 

1 عرض المعرض
صورة تجمع غدعون ساعر ببنيامين نتنياهو في الكنيست
صورة تجمع غدعون ساعر ببنيامين نتنياهو في الكنيست
صورة تجمع غدعون ساعر ببنيامين نتنياهو في الكنيست
(Yonatan Sindel/Flash90)
تبحث الحكومة الإسرائيلية، في جلستها المقبلة، للمرة الأولى، مشروع قرار للاعتراف الرسمي بالإبادة الأرمنية، في خطوة قد تفتح فصلًا جديدًا من التوتر في العلاقات المتدهورة أصلًا بين إسرائيل وتركيا.
ومن المقرر أن يطرح وزير الخارجية الإسرائيلي، غدعون ساعر، مشروع القرار على الحكومة، وينص على أن إسرائيل، استنادًا إلى “واجب أخلاقي وتاريخي”، تعترف بالإبادة التي ارتُكبت بحق أبناء الشعب الأرمني في أواخر عهد الإمبراطورية العثمانية.
كما يدعو مشروع القرار إلى إدانة إنكار هذه الأحداث أو التقليل من شأنها أو تشويه حقيقتها التاريخية. وفي حال إقرار الحكومة للمشروع، سيُنقل لاحقًا إلى الكنيست للمصادقة عليه.

ما هي الإبادة الأرمنية؟

تشير الإبادة الأرمنية إلى حملة التهجير والقتل الجماعي التي تعرض لها الأرمن في الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، خصوصًا بين عامي 1915 و1916. وتصف مؤسسات تاريخية دولية، بينها متحف الهولوكوست الأمريكي، هذه الأحداث بأنها تدمير جسدي واسع للأرمن المسيحيين في الإمبراطورية العثمانية، وقد قُتل خلالها ما لا يقل عن 664 ألفًا، وربما ما يصل إلى 1.2 مليون شخص، نتيجة المجازر والتهجير القسري والتجويع والظروف القاتلة.
وتقول موسوعة بريتانيكا إن ما جرى كان حملة ترحيل وقتل جماعي نفذتها حكومة “تركيا الفتاة” ضد الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى، بينما ترفض الحكومات التركية المتعاقبة استخدام مصطلح “إبادة جماعية”، وتقر بوقوع مآسٍ وخسائر لكنها تنفي وجود خطة منظمة لإبادة الأرمن.

تركيا ترفض المصطلح وتعتبره استهدافًا سياسيًا

تُعد قضية الإبادة الأرمنية من أكثر الملفات حساسية في السياسة التركية. فأنقرة ترفض الاعتراف بها كإبادة جماعية، وتعرض عادة رواية تقول إن ما جرى وقع في سياق الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية، حيث عانت شعوب عدة، وبينها الأتراك والأرمن، من القتل والتهجير. وتشدد وزارة الخارجية التركية في مواقفها الرسمية على ضرورة التعامل مع أحداث 1915 ضمن “سياقها التاريخي الكامل” وبمنهج مفتوح، لكنها ترفض تحميل الدولة العثمانية مسؤولية إبادة منظمة.
وقد أثارت اعترافات دولية سابقة بالإبادة الأرمنية أزمات دبلوماسية حادة مع أنقرة، كما حدث بعد اعتراف الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن رسميًا عام 2021 بأن ما تعرض له الأرمن كان إبادة جماعية، وهي خطوة اعتبرتها تركيا آنذاك “تسييسًا للتاريخ” وضربة للعلاقات مع واشنطن.

إسرائيل بين الحسابات الأخلاقية والحسابات الإقليمية

رغم نقاشات طويلة داخل الكنيست، امتنعت إسرائيل لعقود عن اعتراف رسمي بالإبادة الأرمنية، بسبب حسابات استراتيجية مرتبطة بعلاقاتها مع تركيا سابقًا، ثم مع أذربيجان لاحقًا. وتشير دراسات حول السياسة الخارجية الإسرائيلية إلى أن موقف إسرائيل الرسمي منذ الثمانينيات كان تجنب الاعتراف الكامل، خشية المساس بعلاقاتها الإقليمية ومصالحها الأمنية.
ومع ذلك، تعالت خلال السنوات الماضية أصوات إسرائيلية طالبت بالاعتراف، خصوصًا في فترات التوتر مع تركيا. ففي عام 2018، ومع تصاعد الأزمة الدبلوماسية بين إسرائيل وأنقرة، دعا سياسيون إسرائيليون إلى الاعتراف بالإبادة الأرمنية، لكن الخطوة وُجهت أيضًا بانتقادات من اعتبروا أن القضية تحولت إلى ورقة ضغط سياسية بدلًا من موقف أخلاقي ثابت.

خلفية الأزمة مع تركيا

تأتي الخطوة الإسرائيلية الحالية في ظل تدهور غير مسبوق تقريبًا في العلاقات مع أنقرة، على خلفية حرب غزة والاتهامات المتبادلة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
فقد صعّد أردوغان خلال الفترة الأخيرة لهجته ضد نتنياهو، متهمًا إسرائيل بارتكاب “إبادة” في غزة، بل ذهب في بعض خطاباته إلى مقارنات قاسية بين ما يجري في القطاع وجرائم تاريخية كبرى. وفي المقابل، رد مسؤولون إسرائيليون، بينهم وزير الخارجية غدعون ساعر، باتهام أردوغان بانتهاك حقوق الإنسان واحتلال أراضٍ في سوريا وقبرص، واستخدام خطاب مزدوج المعايير تجاه جرائم الماضي والحاضر.
وفي آب/أغسطس 2025، أثارت تصريحات لنتنياهو بشأن الاعتراف بمذابح الأرمن والآشوريين واليونانيين كإبادة ردًا تركيًا غاضبًا، إذ اتهمت أنقرة نتنياهو بمحاولة التغطية على ما تصفه بجرائم حكومته في غزة عبر استحضار ملف الإبادة الأرمنية.

ورقة تاريخية في مواجهة اتهامات غزة

يرى مراقبون أن دفع إسرائيل الآن نحو اعتراف رسمي بالإبادة الأرمنية لا يمكن فصله عن الصدام السياسي والإعلامي مع تركيا. فأنقرة تستخدم مصطلح “الإبادة” في هجومها على إسرائيل بسبب غزة، بينما ترد إسرائيل باستدعاء الملف الأرمني الذي تعتبره نقطة ضعف تاريخية وسياسية في الرواية التركية.
لكن هذا المسار قد يثير أيضًا انتقادات داخلية وخارجية، خصوصًا من جهات ترى أن الاعتراف بالإبادة الأرمنية يجب أن يكون قرارًا أخلاقيًا ثابتًا، لا خطوة مرتبطة بتوتر ظرفي مع تركيا أو بردّ سياسي على أردوغان.

احتمالات رد أنقرة

من المتوقع أن تواجه الخطوة برد تركي حاد إذا صادقت عليها الحكومة الإسرائيلية ثم الكنيست. فأنقرة دأبت على اعتبار الاعترافات الدولية بالإبادة الأرمنية تدخلًا سياسيًا في التاريخ التركي، وغالبًا ما ردت باستدعاء سفراء أو إصدار بيانات إدانة شديدة اللهجة أو تخفيض مستوى الاتصالات الدبلوماسية.
ومع أن العلاقات الإسرائيلية التركية تمر أصلًا بمرحلة أزمة عميقة، فإن اعترافًا رسميًا من حكومة إسرائيل بالإبادة الأرمنية قد ينقل الخلاف من ملف غزة والسياسة الحالية إلى صراع أوسع حول الذاكرة التاريخية وشرعية الروايات الوطنية، بما يجعل الأزمة بين البلدين أكثر تعقيدًا وطولًا.