كشف مدير وحدة التنظير المتقدم في مستشفى رمبام، البروفيسور إياد خمايسي، عن تطوير ابتكار طبي جديد من شأنه تحسين تشخيص أورام البنكرياس، بعد سنوات من التحديات المرتبطة بجودة عينات الخزعة، والتي كانت تؤدي في حالات عديدة إلى تأخير التشخيص وإعادة الفحوصات للمرضى.
ويُعد سرطان البنكرياس من أكثر الأورام صعوبة في التشخيص والعلاج، إذ يُكتشف في كثير من الحالات في مراحل متأخرة، ما يقلل من فرص العلاج الناجع. ويأتي الابتكار الجديد في محاولة لمعالجة إحدى أبرز العقبات في هذا المسار، وهي عدم الحصول على عينة كافية من الورم خلال الفحص الأول.
تشخيص متأخر وتحديات علاجية
البروفيسور إياد خمايسي: الجهاز يرفع دقة التشخيص ويقلل الحاجة لإعادة الخزعات
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
08:12
وقال البروفيسور خمايسي إن سرطان البنكرياس يُعد "واحدًا من أصعب الأورام الموجودة"، موضحًا أن التأخر في التشخيص يشكل أحد الأسباب الرئيسية لفشل العلاج في كثير من الحالات.
وأضاف: "غالبًا ما يتم تشخيص سرطان البنكرياس في مرحلة متأخرة، وهذا يؤدي إلى تراجع فرص العلاج. أحد أسباب هذا التأخر هو أن الخزعة لا تكون كافية أحيانًا، فيضطر المريض إلى العودة لإجراء الفحص مرة أخرى". وأوضح أن الطريقة المتبعة عادة لتشخيص هذه الأورام تتم بواسطة منظار مزود بتصوير صوتي داخلي، حيث يُدخل الجهاز إلى المعدة، ثم يتم تحديد موضع الورم في البنكرياس، وبعد ذلك تُدخل إبرة خاصة إلى الورم لأخذ عينة منه.
لكن المشكلة، بحسب خمايسي، أن العينة لا تكون كافية في نسبة غير قليلة من الحالات. وقال: "في نحو 30 إلى 40% من الحالات لا نحصل على عينة كافية، وهذا يعني أن المريض يضطر إلى تكرار الفحص، ما يؤدي إلى تأخير إضافي في التشخيص والعلاج".
ابتكار لتحسين جودة الخزعة
وأشار خمايسي إلى أن هذه المشكلة كانت الدافع الأساسي وراء تطوير الابتكار الجديد، موضحًا أن الهدف كان رفع حساسية الفحص والوصول إلى نسبة تشخيص تقترب من 100%. وقال: "كنا نبحث عن طريقة تجعل الفحص أكثر دقة. نريد أن تكون حساسية الفحص عالية جدًا، لأن أي تأخير في التشخيص يعني تأخيرًا في بدء العلاج".
ويعتمد الابتكار الجديد على إضافة حركة خاصة إلى آلية أخذ العينة، بما يعزز قدرة الجهاز على الحصول على نسيج كافٍ من الورم. ووفق خمايسي، فإن هذه الإضافة لا تساعد فقط في تحديد ما إذا كان الورم سرطانيًا أم لا، بل تتيح أيضًا الحصول على مادة كافية لإجراء فحوصات جينية وجزيئية متقدمة.
وأضاف: "اليوم لم يعد تشخيص السرطان وحده كافيًا. لا يكفي أن نقول إن المريض مصاب بالسرطان، بل يجب معرفة الخريطة الجينية للورم، لأن العلاجات الحديثة تُفصّل وفق نوع السرطان وخصائصه الجينية".
نحو علاج مخصص لكل مريض
وأكد خمايسي أن أهمية الابتكار لا تقتصر على التشخيص الأولي، بل تمتد إلى مرحلة تحديد العلاج الأنسب للمريض.
وقال: "من خلال العينات التي يوفرها الجهاز الجديد، يمكن الحصول على كمية كافية للتحليل الجيني والجزيئي، وبالتالي رسم خريطة كاملة للمرض. هذا يساعد الأطباء على ملاءمة العلاج للمريض بحسب خصائص الورم نفسه". وتابع: "اليوم أصبح العلاج أكثر دقة وشخصنة. يمكن تفصيل الدواء بناء على الخارطة الجينية للسرطان، وهذه هي الإضافة الأساسية التي يقدمها هذا الابتكار في التعامل مع أورام البنكرياس".
وأوضح خمايسي أن تطوير الجهاز استغرق نحو 7 سنوات، بدأت من فكرة واجهت صعوبات عديدة في عرضها وتطويرها، قبل أن تتحول إلى مشروع عملي بالتعاون مع حاضنة تكنولوجية وشركة متخصصة. وقال: "الفكرة رافقتني سنوات طويلة. عرضتها على جهة تكنولوجية، وتم تبنيها، ثم أقمنا شركة خاصة لتطوير الجهاز. بدأنا بتجارب مخبرية، ثم تجارب على الحيوانات، وبعد ذلك حصلنا على موافقة وزارة الصحة الإسرائيلية وبدأنا إجراء الفحوصات الأولى على المرضى في مستشفى رمبام".
وأشار إلى أن النتائج الأولية كانت مشجعة جدًا، ما دفع الفريق إلى التوجه إلى إدارة الغذاء والدواء الأميركية FDA، حيث حصل الابتكار على الموافقة بعد نحو عام. وأضاف: "بعد النتائج المشجعة في رمبام، توجهنا إلى FDA، وهناك حصلنا على موافقة بعد نحو سنة، وبدأ استخدام الجهاز في الولايات المتحدة ودول أخرى".
انتشار عالمي وتطبيق في عدة دول
وبحسب خمايسي، بدأ استخدام الابتكار في عدد واسع من الولايات في أميركا الشمالية، إضافة إلى أميركا الجنوبية، كما بدأت خطوات إدخاله إلى اليابان بعد الحصول على الموافقات المطلوبة، مع خطط لاحقة للتوسع في أوروبا ودول أخرى.
وقال: "نحن الآن في مرحلة تطبيق الجهاز في أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية، وبدأنا أيضًا في اليابان. الخطة هي التوسع في الأسواق العالمية ثم إدخاله لاحقًا إلى البلاد".
واعتبر أن تبني الابتكار في مؤسسات طبية حول العالم يشكل "قفزة نوعية"، لأنه يتيح استخدامه على أعداد كبيرة من المرضى، وبالتالي تحسين مسار التشخيص والعلاج على نطاق أوسع.
رسالة أمل للمرضى
وشدد خمايسي على أن الرسالة الأهم التي يحملها هذا الابتكار للمرضى هي تقليل حالة عدم اليقين التي ترافق رحلة الفحوصات، والحد من الحاجة إلى إعادة الخزعة في حال لم تكن العينة الأولى كافية. وقال: "أهم ما في هذا الإنجاز أن إمكانية التشخيص وصلت في الحالات التي فحصناها إلى 100%، ولم تكن هناك حاجة لإعادة الفحص مرة ثانية".
وأضاف: "النقطة المهمة الثانية أن العينة كانت كافية أيضًا لفحص الجينات المسؤولة عن المرض، وهذا يعني أن الطبيب يستطيع الانتقال من التشخيص إلى اختيار العلاج الأنسب بناء على خصائص الورم لدى كل مريض".
ويرى خمايسي أن هذا التطور قد يغيّر مسار التعامل مع أورام البنكرياس، خاصة في ظل الحاجة الملحة إلى تشخيص مبكر ودقيق، يفتح الباب أمام علاج أسرع وأكثر ملاءمة لحالة كل مريض.


