في الأخبار، اعتدنا أن ننقل قصص الناس، أن نرافق آلامهم وآمالهم، وأن نروي حكاياتهم للمستمعين. لكن اليوم، الحكاية مختلفة. اليوم، الخبر ليس عن شخص بعيد عنا، بل عن زميل عزيز، وصديق وشريك في أيام العمل وتفاصيل الحياة، نراه مبتسمًا، حاضرًا بروحه المرحة، حتى في أكثر الأيام ضغطًا وصعوبة.
زميلنا موسى بصول، رئيس تحرير تطبيق ناس، الذي يشاركنا يوميًا صناعة الأخبار، يخوض، بصمت وعلى مدار ثلاث سنوات، معركة بطولية مع مرض السرطان. معركة لم تُطفئ ابتسامته، ولم تُبعده عن زملائه، ولم تمنعه من مواصلة عمله وحياته.
وحين ظنّ أن هذه الرحلة أصبحت خلفه، عاد المرض ليطرق بابه من جديد. لكنه يختار ألا يحتفظ بحكايته لنفسه، بل أن يرويها للناس، لا بحثًا عن التعاطف، وإنما رغبة في أن تكون تجربته مصدر قوة وأمل وتوعية لكل من يواجه تجربة مشابهة.
"بالأمس كنت أتلقى العلاج واليوم عدت للعمل"
الزميل موسى بصول: "بالأمس كنت أتلقى العلاج واليوم عدت للعمل"
المنتصف مع محمد مجادلة
12:01
لم يكن ظهور الزميل موسى بصول، رئيس تحرير تطبيق ناس، في استوديو راديو الناس لقاءً صحفيًا عاديًا. فهذه المرة، جلس الزميل الذي اعتاد نقل قصص الآخرين ليروي حكايته الشخصية، كاشفًا عن ثلاث سنوات من مواجهة مرض السرطان، وعن رحلة علاجية شاقة خاضها بصمت، قبل أن يعود المرض إلى جسده مؤخرًا، ويدفعه إلى مشاركة تجربته علنًا، بهدف مساندة الآخرين وتعزيز الوعي بأهمية الفحوصات الطبية والمتابعة المستمرة.
وفي حديث اتسم بالصراحة والتأثر، كشف بصول عن تفاصيل اكتشاف إصابته بالمرض في مرحلة متقدمة، وعن اللحظات الصعبة التي واجهها في بداية التشخيص، وصولًا إلى رحلة العلاج التي تنقّل خلالها بين القدس والخارج، بعيدًا عن عائلته وأحبائه، وسط ظروف شخصية وعامة معقدة.
ورغم عودة المرض بعد فترة من التحسن، لم يتخلَّ بصول عن تفاؤله أو عمله، بل اختار أن يواصل حضوره في غرفة الأخبار، مستمدًا قوته من عائلته وزملائه وأصدقائه، ومؤكدًا أن الهدف من كشف تجربته ليس الحديث عن معاناته، وإنما منح الأمل والدعم المعنوي لكل من يواجه المرض.
تشخيص متأخر في الرابعة والثلاثين
استعاد بصول اللحظات الأولى لاكتشاف إصابته بالسرطان، موضحًا أن التشخيص جاء بعدما كان المرض موجودًا في جسده، بحسب ما أُبلغ به، منذ نحو عام دون علمه. وقال إنه كان في الرابعة والثلاثين من عمره حين تلقى التشخيص، الذي أظهر أن المرض وصل إلى مرحلة متقدمة جدًا، مشيرًا إلى أن الأسابيع الأولى كانت من أصعب الفترات في حياته.
وكشف أن التقييم الطبي الأولي تضمّن إشارة إلى أن الهدف من العلاج كان تحسين جودة حياته، وهو ما عكس خطورة حالته آنذاك، لكنه قرر مواصلة العلاج وعدم الاستسلام للتوقعات الأولية. وأوضح أن الدعم الذي تلقاه من أفراد عائلته وأصدقائه وزملائه ساعده على تجاوز الصدمة الأولى، واتخاذ قرار بمواجهة المرض ومواصلة العلاج.
"ظننت أن المرض أصبح خلفي، لكنه عاد"
بعد رحلة علاجية امتدت لثلاث سنوات، شهدت فترات صعبة وتنقلًا بين المراكز الطبية، عاش بصول مرحلة من التحسن، قبل أن تكشف الفحوصات الدورية الأخيرة عن عودة المرض مجددًا. وقال إنه أجرى فحوصاته قبل نحو شهر، لتظهر النتائج عودة السرطان بعد فترة من غيابه، مضيفًا أنه بدأ العلاج مجددًا خلال الأسبوع نفسه الذي تأكدت فيه عودة المرض.
وبكلمات حملت الكثير من الإصرار، قال بصول: "هذا الضيف اللي مش مرغوب فيه إجا من جديد. فإحنا بنقوله أهلاً وسهلاً، وكيف طلعناه قبل بنطلعه هاي المرة كمان". وأكد أن تجربته عززت قناعته بأهمية الاستمرار في الفحوصات والمتابعة الطبية، وعدم اعتبار التحسن أو انتهاء مرحلة علاجية سببًا للتوقف عن المراقبة الطبية المنتظمة.
من جلسة العلاج إلى غرفة الأخبار
في واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا خلال المقابلة، كشف بصول أنه خضع لجلسة علاج في القدس قبل يوم واحد من حضوره إلى راديو الناس، لكنه عاد في اليوم التالي إلى عمله المعتاد في غرفة الأخبار. وقال: "أمس كان عندي علاج، كنت بالقدس، اليوم عدت للشغل ونسيت الموضوع"، مشيرًا إلى أن الأجواء التي يعيشها مع زملائه تساعده على تجاوز اللحظات الصعبة وتمنحه شعورًا بالاستقرار والانتماء.
ورغم ضغوط العمل الصحفي ومسؤولياته بصفته رئيس تحرير تطبيق ناس، أكد بصول أنه لم يفكر في ترك العمل بسبب المرض، موضحًا أن مواصلة نشاطه المهني والاندماج في الحياة اليومية يشكلان بالنسبة إليه مصدر دعم نفسي مهم. وشدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم الاستهانة بالمرض، مؤكدًا أهمية الالتزام بالعلاج وتعليمات الأطباء، وتحقيق التوازن بين التفاؤل ومواصلة الحياة وبين التعامل الجدي مع الحالة الصحية.
"السرطان ليس موتًا" رسالة لمواجهة الخوف
أوضح بصول أن أحد الأسباب الرئيسية التي دفعته إلى مشاركة تجربته هو الخوف الذي يرافق الحديث عن السرطان في المجتمع، حيث يربط كثيرون بين الإصابة بالمرض والموت بصورة تلقائية.
وقال: "السرطان ليس موتا، هذا خطأ"، مشددًا على ضرورة عدم فقدان الأمل عند تلقي التشخيص، وعلى أهمية الإيمان والدعم النفسي والعلاج الطبي في مواجهة التحديات التي ترافق المرض. وأكد أنه لا يقدم نصائح طبية ولا يسعى إلى استبدال دور الأطباء، وإنما يشارك تجربة شخصية يأمل أن تساعد المصابين على تجاوز الخوف والشعور بالعزلة.
وتختلف مسارات علاج السرطان وفرص الاستجابة له بحسب نوع المرض ومرحلته والحالة الصحية لكل مريض، ولذلك تبقى المتابعة الطبية المتخصصة والالتزام بالخطة العلاجية الأساس في التعامل معه، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي.
من تجربة شخصية إلى مبادرة لمساعدة الآخرين
وكشف بصول أن قراره الحديث علنًا عن إصابته جاء بعد سنوات من احتفاظه بالتفاصيل ضمن دائرة عائلته وأصدقائه المقربين.
وأوضح أن عددًا من الأشخاص بدأوا بالتواصل معه خلال الفترة الأخيرة، بحثًا عن دعم معنوي أو للاستفادة من تجربته، الأمر الذي شجعه على توسيع دائرة التواصل ونشر حكايته على شبكات التواصل الاجتماعي.
وقال إن هدفه الأساسي هو مساعدة أي شخص يواجه تجربة مشابهة، وإنه مستعد للحديث مع المصابين ومرافقتهم معنويًا من خلال مشاركة تجربته الشخصية. وأشار إلى أنه تلقى رسائل عديدة عقب نشر قصته، بعضها من أشخاص يواجهون المرض أو من أقاربهم الذين يبحثون عن المساعدة، لافتًا إلى أنه رتب بالفعل لقاءً مع أحد الأشخاص من القدس للحديث عن تجربته.
وأكد بصول أن دوره سيبقى في إطار المساندة المعنوية والتوعية، مع ترك الجوانب الطبية والتشخيصية والعلاجية لأصحاب الاختصاص.
السند في أصعب اللحظات
تحدث بصول بتأثر عن دور عائلته في رحلة العلاج، مؤكدًا أن زوجته وابنه خليل وأفراد عائلته وأصدقاءه شكلوا مصدرًا أساسيًا للقوة خلال السنوات الماضية. وأشار إلى أن وجود أشخاص يحبونه ويقفون إلى جانبه منحه دافعًا إضافيًا للتمسك بالحياة، ومواجهة مراحل العلاج المختلفة.
ووجه رسالة إلى كل من يخوض معركة مع السرطان، داعيًا إياه إلى الاستناد إلى أحبائه وعدم الانعزال عن محيطه، مؤكدًا أن وجود العائلة والأصدقاء يمثل نعمة كبيرة، خصوصًا في أوقات المرض.
راديو الناس: "مكانك بيننا أكبر من غرفة الأخبار"
ولم تخلُ المقابلة من لحظات إنسانية مؤثرة، بعدما وجّه مدير الأخبار في راديو الناس الزميل محمد مجادلة، رسالة شخصية إلى بصول، عبّر فيها عن اعتزازه به زميلًا وصديقًا، وعن تقديره للصراحة والشجاعة التي أظهرها في مشاركة تجربته.
واستعاد مجادلة اللقاء الأول الذي جمعه ببصول عند انضمامه إلى طاقم العمل، حين تحدث عن قصته الصحية، مشيرًا إلى أن تجربته شكلت بالنسبة إليه قصة إلهام تتجاوز حدود العمل الصحفي. وأكد، باسمه وباسم زملائه في راديو الناس، اعتزازهم ببصول وبحضوره اليومي بينهم، متمنيًا له السلامة والشفاء، وأن يعود قريبًا ليشارك المستمعين تطورات إيجابية عن رحلته العلاجية.
"لا تستهينوا بأي ألم".. رسالة أخيرة
وفي ختام المقابلة، اختار بصول أن يوجّه حديثه إلى الجمهور، مشددًا على ضرورة الاهتمام بالصحة وعدم تجاهل الأعراض الجسدية، واللجوء إلى الأطباء عند ظهور أي مؤشرات تستدعي الفحص.
وقال: "لا تستهينوا بمرض. لا تستهينوا بأي ألم بالجسم، افحصوا. تابعوا الأطباء"، مؤكدًا أن الصحة تبقى من أثمن ما يمتلكه الإنسان.


