تصعيد ميداني وترقّب دبلوماسي: واشنطن تعزّز وجودها العسكري وطهران تلوّح بالرد

رغم حديث مسؤول أميركي عن احتمال عودة طهران خلال أسبوعين بمقترحات مفصلة لسد الفجوات، إلا أن واشنطن لا تبدو مطمئنة بالكامل، في ظل تجارب سابقة انتهت بتصعيد عسكري بدلًا من اتفاق سياسي. 

تشهد الساحة الإقليمية توترًا متصاعدًا بالتزامن مع انتهاء جولة المحادثات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف، وسط تباين واضح بين التفاؤل الإيراني والحذر الأميركي، فيما تواصل واشنطن حشد قواتها العسكرية في الشرق الأوسط، وتُطلق طهران رسائل تهديد مباشرة، في وقت تسود فيه أجواء من التشاؤم في إسرائيل بشأن فرص نجاح المسار الدبلوماسي.
رسائل متباينة بعد جنيف رغم الأجواء الإيجابية التي صدرت عن طهران، أشار نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى أن المفاوضات “سارت بشكل جيد في بعض الجوانب”، لكنه شدد على أن إيران “لا تزال غير مستعدة للاعتراف ببعض الخطوط الحمراء التي وضعها الرئيس”، مؤكدًا أن “جميع الخيارات مطروحة على الطاولة”. في المقابل، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن الجولة الثانية من المحادثات كانت “جدية للغاية”، وإن الطرفين توصلا إلى تفاهمات بشأن عدد من المبادئ الأساسية التي يمكن أن تشكّل قاعدة لاتفاق محتمل، موضحًا أن العمل سينتقل إلى صياغة مسودات رسمية، على أن تُستكمل المشاورات بعد عودة الوفود إلى عواصمها. بدوره، أعرب وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، الذي تلعب بلاده دور الوسيط، عن تفاؤله بالتقدم المحرز، مؤكدًا أن روح الاجتماعات كانت “بناءة” وأن خطوات واضحة تم الاتفاق عليها تمهيدًا للجولة المقبلة. ورغم حديث مسؤول أميركي عن احتمال عودة طهران خلال أسبوعين بمقترحات مفصلة لسد الفجوات، إلا أن واشنطن لا تبدو مطمئنة بالكامل، في ظل تجارب سابقة انتهت بتصعيد عسكري بدلًا من اتفاق سياسي.
تهديدات إيرانية وإغلاق مؤقت لهرمز ميدانيًا، صعّدت طهران من لهجتها، حيث لوّح المرشد الأعلى علي خامنئي بإمكانية إغراق سفن أميركية في حال تعرضت إيران لهجوم، محذرًا من أن الجيش الأميركي قد يتلقى “ضربة قاسية”. وجاءت تصريحاته بعد إعلان إغلاق أجزاء من مضيق هرمز لساعات بحجة إجراءات أمنية، بالتزامن مع مناورات عسكرية إيرانية وُصفت بأنها استعداد لمواجهة “تهديدات محتملة”.
كما أكد مسؤول إيراني في مقابلة مع قناة الجزيرة أن تنفيذ التهديدات “جاهز عمليًا”، وأن القوات الإيرانية تتدرّب على سيناريوهات مختلفة تشمل التصدي لهجوم أميركي.
“أرمادا” أميركية في المنطقة في المقابل، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري بشكل ملحوظ خلال الساعات الأخيرة، حيث أرسلت نحو خمسين طائرة مقاتلة إلى الشرق الأوسط، بالتوازي مع تحرك حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford باتجاه المنطقة، ترافقها مدمرات حربية.
كما تنشط في المنطقة حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln ومجموعتها القتالية، إضافة إلى عدد من المدمرات وأنظمة الدفاع الجوي. وأشارت تقارير إلى نشر طائرات مقاتلة من طراز F-15 وF-35 في مواقع قريبة من الشرق الأوسط، فضلًا عن طائرات حرب إلكترونية، في خطوة تعكس استعدادًا أميركيًا لسيناريوهات متعددة.
مقترحات إيرانية جديدة ولكن بشروط في سياق متصل، ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن مسؤولين إيرانيين طرحوا إمكانية تجميد تخصيب اليورانيوم لفترة محددة، ونقل جزء من المخزون إلى دولة ثالثة مثل روسيا، إضافة إلى إبرام تفاهمات اقتصادية مع واشنطن. إلا أن طهران لا تزال ترفض الالتزام بوقف دائم للتخصيب، ما قد لا يلبّي السقف الذي حدده الرئيس الأميركي.
إسرائيل بين التشاؤم والاستعداد على الجانب الإسرائيلي، يسود تقييم متحفظ تجاه فرص نجاح المفاوضات، خصوصًا في ظل رفض إيران بحث ملف الصواريخ الباليستية ودعم التنظيمات المسلحة في المنطقة. ومن المقرر أن يعقد الكابينت الأمني جلسة خاصة، فيما يقدّم قائد الجبهة الداخلية إحاطة سرية أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست حول سيناريوهات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل. ويرى مسؤولون عسكريون سابقون أن إسرائيل تعيش حالة “جاهزية دائمة”، في ظل تهديد صاروخي يمتد من الشمال إلى الجنوب، مؤكدين أن المرحلة الحالية تمثل مفترق طرق بين المسار الدبلوماسي واحتمال الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
خلاصة المشهد بين تفاؤل حذر في طهران، وترقب مشوب بالتحفظ في واشنطن، وتصعيد ميداني متبادل، تبدو المنطقة أمام مرحلة حساسة قد تحدد مآلاتها الأسابيع المقبلة. فإما أن تنجح الدبلوماسية في تحويل التفاهمات الأولية إلى اتفاق ملموس، أو تتقدم لغة الردع العسكري إلى الواجهة، في مشهد يعكس هشاشة التوازن القائم في الشرق الأوسط.