تحلّ اليوم ذكرى وفاة أم كلثوم، إحدى أعظم الأصوات في تاريخ الموسيقى العربية، والتي رحلت عن عالمنا في الثالث من شباط/فبراير عام 1975، تاركةً إرثًا فنيًا وإنسانيًا ما زال حيًا في وجدان الملايين، يتجاوز حدود الزمن والجغرافيا.
من قرية صغيرة إلى قمة المجد
وُلدت أم كلثوم إبراهيم البلتاجي عام 1898 في قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية في مصر، ونشأت في بيئة ريفية متواضعة، قبل أن تفرض موهبتها الاستثنائية نفسها على الساحة الفنية.
انتقلت إلى القاهرة في سن مبكرة، وهناك بدأت رحلتها الطويلة نحو النجومية، لتتحول تدريجيًا إلى ظاهرة فنية وثقافية عربية غير مسبوقة.
صوت العرب وذاكرة أجيال
لم تكن أم كلثوم مجرد مطربة، بل كانت صوتًا جامعًا للعرب في لحظات الفرح والحزن، الحب والانكسار، والانتصار والهزيمة.
قدّمت عشرات الأغاني التي تحوّلت إلى علامات خالدة، من بينها إنت عمري، الأطلال، سيرة الحب، وأمل حياتي، متعاونة مع كبار الشعراء والملحنين، مثل أحمد رامي، رياض السنباطي، ومحمد عبد الوهاب.
حفلات الخميس طقس عربي مشترك
تحوّلت حفلات أم كلثوم الشهرية، التي كانت تُبث مباشرة عبر الإذاعة، إلى حدث عربي جامع؛ كانت الشوارع تفرغ، والمقاهي تمتلئ، ويصمت كل شيء أمام صوتها.
وقد عُرفت بقدرتها الفريدة على الارتجال والتطريب، ما جعل كل حفلة تجربة مختلفة، حتى عند أداء الأغنية ذاتها.
الفن في خدمة القضايا الوطنية
لعبت أم كلثوم دورًا وطنيًا بارزًا، خصوصًا بعد نكسة عام 1967، إذ قادت جولات فنية في عدد من الدول العربية والأجنبية، خُصّص ريعها لدعم المجهود الحربي المصري.
بهذا الدور، تحوّلت من مطربة إلى رمز وطني وقومي، يجمع بين الفن والالتزام.
رحيلٌ مهيب وإرث لا يموت
في يوم وفاتها، شهدت القاهرة واحدة من أضخم الجنازات في تاريخها، حيث شيّعها ملايين المصريين والعرب، في مشهد عكس مكانتها الاستثنائية في قلوب الناس.
وبرغم مرور عقود على رحيلها، لا تزال أغانيها تُسمع يوميًا، وتُدرّس، وتُعاد قراءتها وتحليلها، بوصفها مدرسة متكاملة في الغناء والطرب.
أم كلثوم اليوم
في ذكرى وفاتها، تعود أم كلثوم لتتصدر المشهد الثقافي، عبر إعادة بث أغانيها، وتنظيم أمسيات وندوات تستحضر تجربتها، لتؤكد أن الفن الحقيقي لا يشيخ، وأن الصوت الصادق قادر على العبور من جيل إلى جيل.
خمسة عقود على الرحيل ولا يزال صوت أم كلثوم حيًا، يوقظ الذاكرة، ويؤنس القلوب، ويثبت أن العظمة لا تموت.


