أبو شعلة: من لا يتعلم الذكاء الاصطناعي قد يجد نفسه خارج سوق العمل
المنتصف مع أمير الخطيب
06:10
يعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح سوق العمل، في ظل توليه عددًا متزايدًا من المهام الروتينية، وتغييره طبيعة وظائف ومهن عديدة، ولا سيما الأعمال المكتبية والتقنية القابلة للأتمتة.
وفي المقابل، تزداد أهمية المهارات البشرية، مثل الإبداع والتفكير النقدي والتواصل مع الآخرين والقدرة على حل المشكلات والتعلم المستمر، باعتبارها عناصر أساسية لتعزيز قدرة الموظفين على التأقلم مع التحولات المتسارعة في بيئة العمل.
وقال خبير الذكاء الاصطناعي ومؤسس جمعية حاسوب، حسن أبو شعلة، إن النقاش لم يعد يدور حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر في الوظائف، بل حول كيفية استعداد الأفراد والمؤسسات لهذا التأثير.
وأضاف: “لم يعد السؤال اليوم عن أهمية هذا التحول أو ضرورته، بل عن كيفية تحمّل كل شخص، من موقعه ووظيفته، جزءًا من المسؤولية الفردية والمجتمعية لتطوير قدراته، وضمان ألا يتخلف مجتمعنا عن هذا المجال المهم”.
وتيرة تغيير غير مسبوقة
وأوضح أبو شعلة أن العالم شهد سابقًا تحولات تقنية كبرى، من بينها انتشار الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، والتي غيّرت أساليب إدارة الأعمال والتسويق والتواصل مع الزبائن، إلا أن ما يميز ثورة الذكاء الاصطناعي هو السرعة الكبيرة التي تتطور بها.
وقال: “التغيير يحدث عادة بصورة تدريجية، لكن الاختلاف هذه المرة يكمن في وتيرته الحادة. خلال السنوات القليلة الماضية، تطور الذكاء الاصطناعي وتغلغل في مجالات عديدة بسرعة يصعب على الناس مواكبتها، بل إن العاملين في المجال نفسه لا يستطيعون دائمًا متابعة كل طفرة جديدة”.
وأشار إلى أن هذه السرعة تخلق حالة من الارتباك لدى الموظفين والطلاب وأصحاب المصالح، الذين يجدون أنفسهم أمام أسئلة متواصلة بشأن المهارات التي ينبغي تعلمها والخطوات التي يتعين اتخاذها لحماية مستقبلهم المهني.
وأضاف: “الأسئلة أصبحت وجودية أكثر؛ فالكثيرون يسألون ما إذا كان بالإمكان استبدال الموظف بروبوت أو بمنظومة تقنية، وما إذا كانت وظائفهم ستبقى موجودة خلال السنوات المقبلة”.
الوظائف تتغير ولا تختفي فقط
ورأى أبو شعلة أن التجارب التاريخية للثورات الزراعية والصناعية والتقنية تشير إلى أن التكنولوجيا لا تؤدي فقط إلى اختفاء بعض الوظائف، بل تعمل أيضًا على تغيير توصيف الوظائف وخلق مهن وأدوار جديدة.
وضرب مثالًا بإدخال الجرارات الزراعية، قائلًا إن بعض العمال خافوا حينها من فقدان عملهم اليدوي، لكن هذه التقنية خلقت في المقابل وظائف جديدة، مثل قيادة الجرارات وصيانتها وإصلاحها وتدريب العاملين على استخدامها.
وقال: “التكنولوجيا قد تلغي بعض المهام، لكنها تخلق في الوقت نفسه مهام ووظائف جديدة. القدرة على التأقلم هي مفتاح الحل، وعلى كل شخص أن ينظر إلى وظيفته ويحدد كيف يمكنه تطويرها بدل انتظار استبداله”.
وأضاف أن المهن المكتبية، مثل المحاسبة والمساعدة الإدارية وإدخال البيانات، تعد من أكثر المجالات التي يمكن أن تتأثر بالأتمتة، بسبب اعتماد جزء كبير منها على أعمال متكررة يمكن للبرامج تنفيذها تلقائيًا.
من إدخال الفواتير إلى تقديم الاستشارة
وتطرق أبو شعلة إلى مهنة المحاسبة مثالًا على كيفية تغيير الذكاء الاصطناعي طبيعة الوظيفة، موضحًا أن المهام الروتينية، مثل إدخال الفواتير وإعداد الجداول وإجراء التحليلات الأولية، باتت قابلة للتنفيذ بواسطة أنظمة آلية.
وأضاف: “إذا كان عمل المحاسب يقتصر على إدخال الفواتير وإجراء الحسابات المتكررة، فإنه سيكون أكثر عرضة للاستبدال. أما إذا طور دوره وأصبح يتواصل مع الزبائن ويساعدهم في التفكير بكيفية تنمية أعمالهم واتخاذ القرارات، فإنه يعزز مكانته المهنية”.
وأكد أن المهارات المرتبطة بالتواصل الإنساني والاستشارة وفهم احتياجات الزبائن والتفكير الاستراتيجي تمنح الموظف حصانة أكبر، مقارنة بالمهام التي يمكن للبرامج تنفيذها بصورة تلقائية.
رفع الإنتاجية باستخدام الذكاء الاصطناعي
وأشار أبو شعلة إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي لم يعد ميزة إضافية في عدد من المجالات، بل أصبح وسيلة ضرورية لرفع الإنتاجية والقدرة على إنجاز العمل بسرعة وجودة أكبر.
وقال: “على كل موظف أن يسأل نفسه كيف يمكنه استخدام هذه الأدوات لزيادة إنتاجيته ونجاعته. الموظف القادر على إنجاز أعمال أكثر وبجودة أعلى سيكون مطلوبًا بصورة أكبر في سوق العمل”.
وأوضح أن هذا التحول يظهر بصورة واضحة في قطاع البرمجة، إذ بات المبرمج الذي لا يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر عرضة للتأخر عن زملائه الذين يستعينون بها في كتابة الشيفرات البرمجية وفحصها وتحليل المشكلات.
وأضاف: “إذا كان المبرمج لا يحقق النتائج المطلوبة بالحجم والسرعة اللازمين، فقد يصبح أكثر عرضة للاستبدال. أما الطريقة المتاحة اليوم لرفع إنتاجيته، فهي الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي وتعلم كيفية استخدامها بصورة صحيحة”.
مسؤولية مشتركة بين الأفراد والمؤسسات
وشدد أبو شعلة على أن مسؤولية الاستعداد لهذا التحول لا تقع على عاتق الموظفين وحدهم، بل تشمل أيضًا المؤسسات التشغيلية وأماكن العمل والجهاز التعليمي والهيئات المجتمعية.
وقال إن المؤسسات مطالبة بتعريف موظفيها بالأدوات الجديدة، وتوفير برامج تدريبية تساعدهم على استخدامها، بدل إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى بيئة العمل دون إعداد العاملين للتغييرات الناتجة عنها.
وأضاف: “هناك مسؤولية فردية على كل شخص لفهم كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي في حياته وعمله، وهناك أيضًا مسؤولية مجتمعية ومؤسساتية. أطفالنا يكبرون في عالم سيكون الذكاء الاصطناعي حاضرًا في مختلف تفاصيله، وعلينا التفكير منذ الآن في مستقبلهم والمهارات التي يحتاجون إليها”.
وأوضح أن معظم الأشخاص لا يملكون الوقت الكافي لمتابعة التطورات اليومية في هذا المجال أو بناء خطة تعليمية متكاملة بمفردهم، وهو ما يتطلب إنشاء منصات ومبادرات جماعية تتيح التعلم وتبادل المعرفة.
نادي عربي لمواكبة التطورات
وأشار أبو شعلة إلى أن جمعية حاسوب أطلقت قبل نحو عام “نادي الذكاء الاصطناعي العربي”، بهدف إنشاء مجتمع تعليمي يتيح للمشاركين مواكبة التطورات والتعرف إلى الأدوات والتطبيقات الجديدة.
وقال: “أطلقنا النادي كي نتعلم ونواكب التطورات معًا، ونعقد لقاءات أسبوعية نتناول خلالها مجالات مختلفة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ضمن منصة إلكترونية تساعد أفراد المجتمع على تطوير معرفتهم”.
وأضاف أن المبادرة تنظم لقاءات مجانية ومفتوحة للجمهور عبر الإنترنت، من بينها لقاءات تبحث تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، وكيفية استعداد الموظفين وأصحاب المصالح والطلاب للتحولات المقبلة.
وختم أبو شعلة بالتأكيد أن الخوف وحده لن يحمي الوظائف، مشددًا على أن التعلم المستمر والاستعداد للتغيير واستخدام الأدوات الجديدة هي الوسائل الأهم لتعزيز القدرة على المنافسة في سوق العمل المستقبلي.
First published: 09:13, 24.07.26


