عكّا تتوهّج في رمضان: حين يعانق الأذان هدير البحر وتنبض الأسوار بالحياة
في مشهدٍ لا يشبه سواه، ترتدي عكا حلّتها الرمضانية فتتحول البلدة القديمة إلى لوحةٍ حيّةٍ تتعانق فيها الروحانية مع التاريخ، ويغدو المكان مسرحًا مفتوحًا تتداخل فيه الأصوات والأنوار والوجوه القادمة لتعيش سحر الشهر الفضيل بين البحر والأسوار.
مع اقتراب موعد الإفطار، يتردد أذان المساجد المنتشرة في أحياء البلدة القديمة، فينساب صوته عبر الأزقة الحجرية العتيقة، ويتردد صداه بين القباب والمآذن، كأنّه يعانق الأمواج المتكسّرة على الأسوار البحرية. هناك، حيث يلتقي هدير البحر بتراتيل الأذان، تتجلى واحدة من أبهى صور رمضان، صورةٌ تختصر حضارة مدينة ضاربة في عمق التاريخ.
في الأسواق القديمة، تتدفق الحركة قبل الغروب بساعات. زوّار من مختلف المناطق يتجوّلون بين المحال العتيقة، يتأملون تفاصيل الحجارة المصقولة بذاكرة القرون، ويعيشون أجواءً رمضانية أصيلة تنبض بروائح التوابل والحلويات التقليدية. السوق القديم لا يكون مجرد مكان للتبضّع، بل فضاءً اجتماعيًا حيًا يختلط فيه صوت الباعة بضحكات الأطفال، وتتكامل فيه روح الجماعة مع دفء المكان.
ومع انحدار الشمس نحو الأفق، تتبدّل الملامح. تنكشف زينة البلدة القديمة على وقع الغروب، فتتوهج الأزقة بالأضواء الملوّنة، وتنسدل سكينة الليل على الأسوار التاريخية. المشهد ليلاً يبدو كأنه احتفال دائم، العائلات تفترش الساحات، والشباب يتبادلون الأحاديث، والمقاهي تمتلئ بروّادها الذين يبحثون عن لحظات صفاء بعد يومٍ من الصيام.
رمضان في البلدة القديمة لعكّا ليس مجرد طقسٍ ديني، بل تجربة حسّية كاملة، هو ذاكرة وهوية، بحرٌ يحرس المدينة، وأسوارٌ تروي حكايات العابرين، ومآذنُ ترفع الأذان فتوقظ في القلوب طمأنينةً خاصة. إنها أجواء لا مثيل لها بملامحها وميزاتها، حيث يلتقي التاريخ بالحاضر، وتصبح المدينة في ليالي رمضان أكثر إشراقًا… وأكثر حياة.



































