عاد الجدل حول استخدام الشرطة لأدوات تكنولوجية متقدمة إلى الواجهة، بعدما كشف تقرير مراقب الدولة متانياهو إنغلمان، الذي نُشر بعد ظهر اليوم (الثلاثاء)، عن ثغرات أساسية وخطيرة في منظومة تشغيل واعتماد أدوات التنصّت وجمع بيانات الاتصالات لأغراض إنفاذ القانون، على خلفية قضايا برزت خلال السنوات الأخيرة، بينها “قضية بيغاسوس” التي كُشف عنها عام 2022.
وقال إنغلمان إن "الرقابة كشفت تنفيذ أعمال محظورة من قبل الشرطة في مجال التنصّت واستخدام أدوات تكنولوجية"، لكن التقرير — الذي يتناول الفترة بين 2011 و2021 — لا يسمي القضايا ولا يحدد أسماء مسؤولين.
طلبات تنصّت بالآلاف ومعدلات موافقة مرتفعة
وبحسب معطيات التقرير، فإن حجم استخدام أوامر التنصّت يعكس مدى اتساع الظاهرة:
خلال الأعوام 2019–2021 تقدمت الشرطة بنحو 14 ألف طلب للحصول على أوامر تنصّت، وصادقت المحاكم على 12,937 طلبًا (أكثر من 90%). كما صودق خلال الفترة نفسها على أكثر من 1,000 طلب للتنصّت على اتصالات بين الحواسيب، وعلى أكثر من 1,000 عملية “تركيب أدوات تكنولوجية” على وسائل خاضعة للتنصّت.
ويشير التقرير إلى أن توسع استخدام هذه الأدوات يضع تحديًا حساسًا في الموازنة بين أمن الجمهور وحق الخصوصية، خاصة مع قدراتها الكبيرة على جمع كمّ واسع من المعلومات، بما فيها بيانات موقع الهاتف.
إخفاقات في مسارات المصادقة والرقابة القانونية
وفي فصل “التنظيم التشريعي والقانوني”، رصد التقرير سلسلة إخفاقات، من أبرزها:
المصادقة على أداة واحدة وعمليتين في مجال التنصّت من قبل النيابة دون الاستناد إلى رأي جهات الاستشارة القانونية للحكومة.
اعتماد أداتين وعمليتين أقرّهما فقط الاستشاري القانوني للشرطة، ثم اعتبر فريق “مراري” لدى الاستشارة القانونية للحكومة أنها تتجاوز صلاحيات الشرطة.
المصادقة على ثلاث أدوات للتنصّت وجمع بيانات اتصالات من قبل شعبة السايبر في الشرطة من دون رأي قانوني من مستشاري الشرطة أو الحكومة.
اعتماد أربع أدوات وخمس عمليات تنصّت بقرار من الاستشارة القانونية للشرطة من دون إبلاغ جهات الاستشارة القانونية للحكومة.
مصادقة المستشار القضائي للحكومة على عملية واحدة “من دون تعليلات ومن دون رأي قانوني” ضمن ما عُرض عليه.
تشغيل الشرطة لسنوات أداة للتنصّت على اتصالات بين الحواسيب، ثم قررت المستشارة القضائية للحكومة لاحقًا — بعد عرض القدرات كاملة — أن جزءًا منها محظور ويجب تعطيله قبل السماح باستخدام الأداة.
كما أشار التقرير إلى حالات تأخر طويل في حسم المواقف بشأن أدوات وعمليات (من سنة حتى خمس سنوات)، وإلى غياب نقاش مبدئي عبر السنوات داخل الاستشارة القانونية للحكومة حول إدماج هذه الأدوات أصلًا في عمل الشرطة.
تشريع “عالق” منذ سنوات
ورغم أن جهات الاستشارة القانونية للحكومة ترى أن بعض الأدوات يتطلب تنظيمًا عبر تشريع أساسي، إلا أن التقرير يقول إن المعالجة التشريعية تعثرت لسنوات لأسباب عدة، بينها غياب نقاش معمق حول القدرات مقابل المساس بالحقوق، وخلافات بين الموقف القانوني للحكومة والموقف السياسي حول نوع الجرائم التي ستمنح الشرطة صلاحية استخدام هذه الأدوات فيها.
وعدد التقرير ملفات تشريعية لم تتقدم منذ سنوات، بينها:
تشريع “التصوير السري البصري” منذ 2012.
صلاحية “تفتيش سري” لأغراض التنصّت منذ 2018.
تشريع جمع المعلومات والرصد على الإنترنت منذ مايو 2021.
تعديل شامل لقانون التنصّت منذ يناير 2023.
تعديل لتسوية عمليات معينة في أداة تكنولوجية منذ أبريل 2023.
ورأى المراقب أن غياب التشريع أدى إلى نتيجتين متوازيتين: استخدام أدوات تمس الخصوصية بشدة دون أساس تشريعي أولي واضح، وفي المقابل تقييد قدرة الشرطة على توظيف هذه الأدوات في مكافحة الجريمة.
قصور في نماذج طلبات التنصّت: “تحوّل لإجراء تقني”
في فصل آخر، فحص التقرير طريقة تقديم طلبات التنصّت للمحاكم، حيث يلزم القانون توضيح: سبب التنصّت، هدف التنصّت، والجرائم ذات الصلة. ووفق فحص شمل نحو 14 ألف طلب في 2019–2021، وُجد أن الشرطة لا تدقق في تعبئة الطلبات كما ينبغي.
ومن النتائج:
في 89% من الطلبات (12,642) ذُكر أكثر من سبب من الأسباب الثلاثة الممكنة (كشف الجرائم/كشف الجناة/مصادرة ممتلكات مرتبطة بالجريمة).
في نحو نصف الطلبات (5,977) ذُكرت الأسباب الثلاثة معًا، بينما في 11% فقط (1,642) ذُكر سبب واحد محدد.
كما أشار التقرير إلى إشكاليات في تحديد “أهداف التنصّت”، خاصة عندما يتعلق الأمر بأشخاص ليسوا مشتبهين (شهود، شركاء غير مباشرين، ضحايا)، وإلى أن ذلك قد يضعف قدرة المحكمة على فحص لماذا ولمن يُطلب التنصّت، ومدى تناسبه مع المساس بالخصوصية — مع أثر أكبر على القاصرين والضحايا.
“أذونات المفوض العام” لا تُستخدم… وبديل بات شبه روتيني
وبحسب التقرير، يتيح القانون في الحالات الطارئة إصدار إذن إداري للتنصّت لمدة 48 ساعة بمصادقة المفوض العام للشرطة، لكن المراقبة وجدت أن هذا المسار غير مطبّق عمليًا، وأن الشرطة طوّرت مسارًا بديلًا داخليًا يسمى “أمر استثنائي ب” لتجاوز الحاجة لإذن المفوض.
وسجل التقرير استخدامًا واسعًا لهذا المسار: من أصل 14,284 طلبًا خلال 2019–2021، كان نحو 6,300 (43%) مرتبطًا بأوامر استثنائية. كما أشار إلى أن نسبة الأوامر الاستثنائية ضمن أوامر التنصّت على اتصالات بين الحواسيب بلغت 89% مقابل 39% في التنصّت “العادي”.
بيانات الاتصالات: قفزة 40%… و99% “خلل” في عينة فحص
وتطرق التقرير أيضًا إلى استخدام “بيانات الاتصالات” (معلومات من شركات الهاتف/الإنترنت حول موقع المستخدم، وجهات التواصل، مواقع تمت زيارتها وغيرها). ووجد أن عدد الأوامر والأذونات للحصول على هذه البيانات ارتفع 40% بين 2017 و2021 (من 40,783 إلى 57,283)، مع الإشارة إلى أن ثلثها كان “أذونات إدارية” تُستخدم غالبًا لإنقاذ حياة.
لكن التقرير قال إن الأذونات التي يفترض أن تُمنح “قدر الإمكان خطيًا” تُمنح فعليًا شفهيًا وتُوثق لاحقًا، وفي فحص عينة من 275 حالة وُجدت إخفاقات في 273 حالة (99%).
توصيات ومطالبات بالتنظيم القانوني
وفي خلاصة التقرير، شدد إنغلمان على وجود “خلل منظومي وأساسي” في عمليات الفحص والمصادقة التي سبقت استخدام أدوات قوية ذات قدرة واسعة على المساس بالحقوق، داعيًا جهات عليا — بينها وزير القضاء، وزير الأمن القومي، المستشارة القضائية للحكومة، مفوض الشرطة ورئيس شعبة التحقيقات — إلى ضمان تصحيح الإخفاقات.
كما نقلت التقارير عن “جهات قانونية” أن توصية تبلورت لبحث تنظيم استخدام “الرُوغلَات” عبر تفسير قانوني أو تشريع. وأشير إلى أن المستشارة القضائية للحكومة عبّرت منذ أكثر من عامين عن ضرورة تنظيم الموضوع بالتشريع لأن القوانين القائمة “قديمة” ولا تلائم الواقع التكنولوجي، في حين برز خلاف سياسي حول السماح باستخدام هذه الأدوات في قضايا “فساد سلطوي” مثل الرشوة. كما ذُكر أن اقتراح قانون خاص قدمه النائب تسفيكا فوغل لتنظيم استخدام “الروغلات” مرّ بلجنة وزارية للتشريع قبل أكثر من عام، لكنه لم يُحوّل حتى الآن للجنة برلمانية ولم يُدفع قدمًا حكوميًا.
ردّ الشرطة: “كل ما فُحص قانوني… وطبّقنا دروس لجنة مراري”
وفي ردها، قالت الشرطة إن الأحداث التي شملتها المراقبة “نُفذت وفق القانون وبناء على أوامر قضائية وتفسير قانوني”، وإن التقرير يتناول بالأساس “أحداثًا قديمة” من 2016–2021، ومعظم القضايا فُحصت “بعمق” ضمن عمل لجنة مراري، وأن دروس تقرير مراري الذي نُشر في أغسطس 2023 “طُبقت وصُححت” خلال 2023، مع تطوير آليات رقابة وإيضاح الإجراءات.
وأضافت الشرطة أنها تتفق مع ملاحظة المراقب بشأن الحاجة إلى إعادة أدوات تكنولوجية “أُخذت من الشرطة عام 2022 ولم تُعد”، وبشأن غياب تشريع ملائم، معتبرة أن ذلك “يقيّد قدرة الشرطة في مكافحة الجريمة الخطيرة ويضرّ بالمجتمع”. كما انتقدت الشرطة ما وصفته بـ“عرض صورة جزئية”، مؤكدة أنها ستواصل الدفع نحو تشريع ملائم واستعادة الأدوات والتعاون بشفافية مع جهات الرقابة.



