في أعقاب مصادقة الكنيست على "قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين"، تتواصل التحركات القضائية للطعن في التشريع، فيما أمهلت المحكمة العليا الكنيست والحكومة مدة شهرين لتقديم ردهما على الالتماسات التي قُدمت فور إقرار القانون، من دون أن تصدر في هذه المرحلة أمرا احترازيا يجمّد سريانه. وقد أثار هذا القرار تساؤلات واسعة، لا سيما في ظل التحذيرات من الأثر الفوري للقانون وإمكانية الشروع في تطبيقه على نحو عاجل.
وفي مقابلة مع راديو الناس، قالت د. سهاد بشارة من مركز "عدالة" الحقوقي إن غياب الأمر الاحترازي لا يلغي خطورة المرحلة الحالية، مؤكدة أن التخوف من التنفيذ الفوري "تخوف واقعي"، وأضافت: "نحن أمام قانون ذي أثر مباشر، وإذا تبينت أي محاولة لتطبيقه بشكل فوري في حالات عينية، فسنتوجه إلى المحكمة بطلب إصدار أمر طارئ في هذا الشأن".
"قانون استثنائي وخطير"
د. سهاد بشارة: قانون الإعدام يمس الحق في الحياة، ويخالف القانون الدولي، ويتجه عكس المسار العالمي الرافض لعقوبة الإعدام
استوديو المساء مع شيرين يونس
07:05
وأوضحت بشارة أن المحكمة قد تكون فضلت في هذه المرحلة انتظار موقف الكنيست والجهات الحكومية قبل اتخاذ قرار أولي بشأن تجميد القانون، لكنها شددت على أن القضية تتعلق بحق أساسي لا يمكن التراجع عنه بعد المساس به. وقالت: "نحن نتحدث هنا عن الحق في الحياة، ومن يُعدم لا يمكن إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، ولذلك فإن هذا القانون استثنائي وخطير من حيث نتائجه الكارثية، سواء طُبق على شخص واحد أو على أكثر".
وأكدت أن الالتماسات المقدمة ضد القانون تستند إلى حجج قانونية قوية على مستويين رئيسيين. المستوى الأول، بحسب بشارة، يتعلق بسريان القانون على الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما وصفته بأنه مسار غير مسبوق ويتعارض مع قواعد القانون الدولي. وأضافت: "إسرائيل ليست صاحبة سيادة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا يجوز لها، بموجب القانون الدولي الإنساني، أن تشرّع قوانين تسري على هذه الأراضي بهذه الصورة". وأشارت إلى أن هذا المسار يتناقض أيضا مع الوضعية القانونية للضفة الغربية كأرض محتلة، ومع التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي.
يتناقض مع المعايير الدولية
أما المستوى الثاني، فهو دستوري وحقوقي بحت، ويتمثل في الاعتراض على سلب الحياة عبر تشريع عقوبة الإعدام. وقالت بشارة: "هذا القانون يتناقض مع المعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان، ويسير بعكس الاتجاه الذي سلكته دول العالم على مدار عقود، حيث اتجهت الغالبية الساحقة من الدول إلى إلغاء عقوبة الإعدام أو الامتناع عن تنفيذها". وأضافت أن العالم يشهد منذ سنوات طويلة توجها متزايدا نحو رفض هذه العقوبة، سواء في المواثيق الدولية أو في الأنظمة الإقليمية لحقوق الإنسان، معتبرة أن التشريع الجديد "يشكل مسارا قانونيا عكسيا مقارنة بما استقر عليه المجتمع الدولي".
وفي معرض ردها على التبريرات المتعلقة بما يسمى "الردع"، قالت بشارة إن هذه الادعاءات لا تستند إلى أساس علمي أو قانوني متين، مضيفة: "أرفقنا بالالتماس آراء مختصين تؤكد أن الادعاء بوجود أثر رادع لعقوبة الإعدام هو ادعاء غير مسند. هناك أبحاث قانونية وقضائية من دول عديدة تشير بوضوح إلى أن عقوبة الإعدام لا تشكل عامل ردع مثبتا". واعتبرت أن استخدام الردع كمبرر للتشريع لا يصمد أمام المعطيات المهنية والبحثية المتراكمة.
مهلة للحكومة للرد خلال شهرين
وحول تقديراتها لمسار الالتماسات في المرحلة المقبلة، أوضحت بشارة أن المحكمة منحت الكنيست والحكومة مهلة تقارب شهرين للرد، وبعد ذلك من المتوقع تعيين جلسة للنظر في القضية، إذا قُدمت الردود ضمن المدة المحددة. وأضافت أن المسار قد يتأثر أيضا بطلبات تأجيل محتملة من النيابة، إلا أنها رجحت أن تشهد القضية جلسة قريبة نسبيا بعد استكمال الردود، مشيرة إلى احتمال أن تنظر فيها هيئة قضائية موسعة نظرا إلى حساسية الموضوع وأبعاده الدستورية والقانونية.
وختمت بشارة بالتأكيد على أن الطعن في القانون لا يستند فقط إلى اعتبارات سياسية، بل إلى قواعد قانونية راسخة تتصل بالقانون الدولي والحق في الحياة والمعايير العالمية لحقوق الإنسان، في وقت يترقب فيه مقدمو الالتماسات موقف المحكمة العليا وما إذا كانت ستتجه إلى إبطال القانون أو إلى المضي في مسار قضائي أطول لحسمه.


