نجح باحثون في جامعة كولومبيا الأمريكية في تطوير تقنية تجريبية تتيح لبعض المرضى الذين يعانون إصابات دماغية حادة، ولا يستطيعون الكلام أو الحركة أو الاستجابة للأوامر، التحكم بإشارات صوتية باستخدام نشاط أدمغتهم، في خطوة علمية قد تغير مستقبل التواصل مع المرضى الذين يبدون فاقدين للوعي.
وأظهرت الدراسة، التي نُشرت الخميس في مجلة "Brain" العلمية، أن نحو ثلث المرضى المشاركين تمكنوا من التحكم بنغمات صوتية عبر واجهة تربط الدماغ بالحاسوب، دون الحاجة إلى زرع شرائح إلكترونية داخل الدماغ.
وشملت التجربة 41 مريضًا في وحدات العناية المركزة، كانوا يعانون إصابات دماغية حادة ولا يظهرون استجابات سلوكية واضحة، رغم أن بعضهم احتفظ بمستويات من الوعي لا يمكن اكتشافها بالفحص السريري التقليدي.
وعي موجود رغم غياب الاستجابة
وأوضح الباحث الرئيسي، البروفيسور يان كلاسن، المتخصص في طب الأعصاب بجامعة كولومبيا، أن دراسات سابقة كشفت أن بعض المرضى الذين يبدون في حالة غيبوبة يحتفظون بقدرة على فهم الأوامر ومحاولة تنفيذها، رغم عجزهم عن تحريك أطرافهم أو أعينهم. ويُعرف هذا الوضع طبيًا باسم "الانفصال الإدراكي الحركي"، ويحدث عندما يحتفظ الدماغ ببعض القدرات الإدراكية، لكن الاتصال بين المناطق المسؤولة عن التفكير وتلك التي تتحكم بالحركة لا يعمل بصورة طبيعية.
وكان فريق كلاسن قد رصد عام 2019 مؤشرات على وجود وعي خفي لدى نحو 15% من مجموعة مرضى يعانون إصابات دماغية ولا يستجيبون ظاهريًا للأوامر، باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
كيف تعمل التقنية؟
يعتمد النظام الجديد على أقطاب كهربائية توضع على فروة رأس المريض لتسجيل النشاط الكهربائي للدماغ، وهي تقنية تستخدم أصلًا في المستشفيات لمراقبة المرضى الذين يعانون اضطرابات عصبية. وخلال التجربة، استمع المرضى إلى نغمات صوتية عبر سماعات، ثم طُلب منهم محاولة فتح أيديهم وإغلاقها ذهنيًا، بهدف تغيير تردد النغمات.
ويحلل برنامج حاسوبي متخصص الإشارات الكهربائية الناتجة عن هذه المحاولات، ويحولها إلى تغييرات مسموعة في النغمات، بحيث يستطيع الباحثون معرفة ما إذا كان المريض يستجيب للمهمة المطلوبة.
وبعد فترة تدريب قصيرة، تمكن نحو واحد من كل 3 مرضى من التحكم بالنغمات بواسطة نشاط الدماغ وحده، ومن بينهم جميع المرضى الذين سبق تحديد وجود انفصال إدراكي حركي لديهم من خلال اختبار مستقل.
نحو التواصل مع العائلة والأطباء
ويرى الباحثون أن نجاح التجربة قد يمهد لتطوير أنظمة تسمح مستقبلًا للمرضى بالتعبير عن احتياجات أساسية، مثل الشعور بالألم أو الجوع أو الانزعاج، وربما الإجابة عن أسئلة بسيطة.
وأشار كلاسن إلى أن الميزة الأساسية للتقنية الجديدة هي اعتمادها على أجهزة تخطيط الدماغ المستخدمة بالفعل في وحدات العناية المركزة، ما قد يسهل تطبيقها مستقبلًا مقارنة بالتقنيات التي تتطلب زرع أقطاب أو شرائح داخل الدماغ. كما يدرس الفريق إمكانية تطوير النظام ليشمل أصوات أفراد العائلة أو إشارات شخصية تساعد المرضى على التفاعل بصورة أفضل.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن الجهاز لا يستطيع حاليًا تحويل الأفكار إلى كلمات أو محادثات كاملة، وأن النتائج تمثل إثباتًا أوليًا لإمكانية التواصل من خلال التحكم بالإشارات الصوتية، وليس وسيلة تواصل سريرية جاهزة للاستخدام الواسع.


