شهد جنوب لبنان، مساء الجمعة، موجة جديدة من الغارات الإسرائيلية، في وقت رُصدت فيه عمليات اعتراض في سماء شمال إسرائيل، وسط تقارير إيرانية وعربية عن إطلاق صواريخ باتجاه قاعدة أميركية في الأردن، من دون صدور تأكيد رسمي أردني أو أميركي حتى الآن.
وبحسب وسائل إعلام لبنانية، استهدفت غارة إسرائيلية دراجة نارية في بلدة كفر رمان جنوبي لبنان، ما أدى إلى مقتل شخصين، فيما طالت غارات أخرى أهدافا في منطقة النبطية وبلدة النبطية الفوقا. وتأتي هذه الهجمات في سياق استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، رغم المسار التفاوضي القائم مع الحكومة اللبنانية ومحاولات تثبيت ترتيبات جديدة على الحدود.
وفي وقت لاحق، وثّق متواجدون قرب بحيرة طبريا مشاهد اعتراضات في السماء. وقال الجيش الإسرائيلي إن الحديث يدور عن عمليات اعتراض مرتبطة بإطلاقات من جهة الأردن بدت مرئية من مناطق شمال إسرائيل.
وفي المقابل، تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن "انفجار قوي" في الأردن، قبل أن تنقل وكالة "فارس" الإيرانية وقناة "الحدث" السعودية تقارير تفيد بإطلاق صواريخ نحو قاعدة أميركية داخل الأراضي الأردنية. ولم يصدر، حتى إعداد هذا الخبر، تأكيد رسمي من عمّان أو واشنطن بشأن طبيعة الانفجار أو الهدف الذي تعرض للهجوم.
ويأتي ذلك بعد أيام من جولة جديدة من الهجمات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة في المنطقة، شملت، بحسب تقارير دولية، ضربات إيرانية استهدفت مواقع مرتبطة بالقوات الأميركية في دول بينها الأردن والكويت والبحرين والعراق.
غارات متواصلة رغم المفاوضات مع لبنان
تتزامن الضربات الإسرائيلية الجديدة مع استمرار اتصالات سياسية وأمنية بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية، في محاولة لمعالجة ملفات الحدود والمعتقلين والمفقودين وترتيبات وقف إطلاق النار.
وكانت إسرائيل قد أعلنت، الخميس، الإفراج عن 5 معتقلين لبنانيين، قالت إنهم مدنيون ولا ينتمون إلى حزب الله، في خطوة ربطها مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بمساعٍ لاستعادة رفات قيادات من الجالية اليهودية في لبنان قُتلوا واختطفوا خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وبحسب تقارير لبنانية، رحبت بيروت بالإفراج عن المعتقلين، فيما تأمل واشنطن أن تشكل الخطوة أساسا لمباحثات أوسع بين الجانبين. غير أن استمرار الضربات والعمليات الميدانية يؤكد أن المسار التفاوضي يسير بالتوازي مع تصعيد عسكري متواصل في الجنوب.
إيران تجدّد تهديداتها وتحذر من توسيع العمليات الإسرائيلية
وفي موازاة التصعيد في لبنان، صعّدت إيران من لهجتها تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل. ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا قوله إن المشكلات التي تواجهها القوات الأميركية في المنطقة "نتيجة أخطاء ارتكبها مسؤولون أميركيون خلال مهاجمة دولة ذات سيادة"، داعيا واشنطن إلى "تحمل العواقب والانسحاب من المنطقة".
وأضاف أن بلاده لن تسمح للولايات المتحدة "بامتلاك زمام المبادرة"، متوعدا بتنفيذ عمليات استباقية في أي مكان تعتبر فيه طهران وجود تهديد، ومهددا بأن إيران سترد على إسرائيل "بسرعة وقوة" في حال شاركت في هجمات جديدة ضدها.
وتأتي هذه التصريحات بعد أن كشفت رويترز أن إيران وجهت تحذيرا إلى الولايات المتحدة من شن إسرائيل هجوما واسع النطاق على مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان، مهددة برد واسع في حال تنفيذ عملية من هذا النوع.
مرتفعات علي الطاهر تتحول إلى بؤرة مواجهة رئيسية
وتُعد مرتفعات علي الطاهر، الواقعة على بعد نحو 15 كيلومترا من الحدود مع إسرائيل، واحدة من أبرز نقاط الاحتكاك العسكرية في جنوب لبنان خلال الفترة الأخيرة. وتقول إسرائيل إن المنطقة تضم شبكة واسعة من المنشآت والأنفاق التابعة لحزب الله، تشمل غرف قيادة ومستودعات أسلحة ومرافق تسمح بالبقاء تحت الأرض لفترات طويلة.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن أنه أكمل "تطهير" البنية التحتية تحت الأرض في المرتفعات، وقال إن مقاتليه فرضوا حصارا على فتحات الأنفاق ومنعوا عناصر حزب الله من الخروج أو تلقي مساعدات من الخارج، قبل أن يعلن أن جميع المسلحين الموجودين في المنشآت قُتلوا أو انسحبوا.
في المقابل، أفادت مصادر تحدثت إلى رويترز بأن مرتفعات علي الطاهر لا تزال تمثل نقطة استراتيجية مهمة لحزب الله، نظرا إلى موقعها المرتفع وقدرتها على ربط مواقع في الجنوب بمنطقة إقليم التفاح، إضافة إلى دورها المحتمل في عمليات إطلاق الصواريخ نحو شمال إسرائيل.
وكانت مصادر مطلعة قد قالت لرويترز إن طهران أبلغت واشنطن، عبر سلطنة عُمان، بأن أي هجوم إسرائيلي شامل على المنطقة سيقابل برد إيراني واسع، فيما نفت إسرائيل وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني داخل المرتفعات.
مشهد إقليمي قابل لمزيد من التصعيد
وتأتي التطورات المتسارعة بين لبنان والأردن وإيران في وقت لا تزال فيه المنطقة تشهد توترا عسكريا واسعا بين طهران وواشنطن، مع تبادل هجمات خلال الأيام الماضية وتهديدات متبادلة بمزيد من التصعيد.
وبينما لا تزال تفاصيل إطلاق الصواريخ المبلغ عنه باتجاه الأردن بحاجة إلى تأكيد رسمي، فإن تزامن الغارات الإسرائيلية في لبنان مع الاعتراضات التي شوهدت فوق شمال إسرائيل والتحركات الإيرانية الأخيرة يعكس اتساع دائرة المواجهة واحتمال انتقالها بسرعة بين أكثر من ساحة في المنطقة.


