حذّر البروفيسور بشارة بشارات، رئيس جمعية تطوير صحة المجتمع العربي، من تفاقم أزمة الكوادر الطبية في البلاد، في أعقاب معطيات دراسة جديدة أظهرت مغادرة 1369 طبيبًا خلال الأعوام 2023–2025، معتبرًا أن استمرار هجرة الأطباء، بالتزامن مع ارتفاع أعباء العمل وتقليص الميزانيات، قد يؤثر على قدرة المستشفيات على تقديم الخدمات الطبية.
وأوضح بشارات، في مقابلة مع راديو الناس، أن ظروف العمل الصعبة تشكل أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع الأطباء إلى مغادرة البلاد، مشيرًا إلى أن المناوبات الطويلة، التي قد تصل إلى 36 ساعة، والضغط المتزايد داخل المستشفيات، يدفعان مزيدًا من الكوادر الطبية إلى البحث عن فرص عمل خارج البلاد.
ولفت إلى مفارقة تتمثل في استمرار النقص في الطواقم الطبية داخل المستشفيات، مقابل وجود آلاف الأطباء الذين لا يجدون فرص عمل، معتبرًا أن المشكلة لا تقتصر على أعداد الخريجين، بل تشمل نقص الميزانيات والوظائف المتاحة واستيعاب الكوادر الجديدة.
هجرة الأطباء تزيد الضغط
بشارات: التحريض السياسي لا يعكس العلاقات المهنية داخل المستشفيات
المنتصف مع فراس خطيب
07:18
وقال بشارات إن هجرة الأطباء تؤدي إلى تفاقم النقص القائم في الطواقم الطبية، إذ يتعين على الأطباء الذين يواصلون العمل تحمل أعباء إضافية لتعويض غياب زملائهم.
وأوضح أن هذه الضغوط قد تدفع بدورها مزيدًا من الأطباء إلى التفكير في الهجرة، ما يخلق حلقة متواصلة من نقص الكوادر وزيادة أعباء العمل. وأشار إلى أن محاولات تقليص مدة المناوبات الطبية من 36 إلى 24 ساعة لم تحقق، بحسب قوله، النتائج المرجوة حتى الآن، في ظل نقص القوى العاملة وصعوبة توفير بدائل كافية.
وأكد أن معالجة هذه الأزمة تتطلب زيادة أعداد الأطباء العاملين في المستشفيات، وتحسين ظروف العمل، وتقليص ساعات المناوبات بما يسمح بتوزيع الأعباء بصورة أكثر توازنًا.
تقليص 100 مليون شيكل من ميزانية الصحة يثير الانتقادات
وانتقد بشارات السياسات الحكومية المتعلقة بتمويل الجهاز الصحي، كاشفًا عن تقليص نحو 100 مليون شيكل من ميزانية وزارة الصحة خلال الشهر الجاري، قال إنها حُوّلت لتغطية احتياجات أمنية وعسكرية.
واعتبر أن تقليص الميزانيات يأتي في وقت تحتاج فيه المستشفيات إلى توسيع خدماتها وزيادة عدد العاملين لديها، وليس إلى خفض الموارد المخصصة لها. وأوضح أن محدودية التمويل تمنع المستشفيات من توظيف أطباء جدد لتعويض الذين يغادرون، حتى مع توفر كوادر طبية مؤهلة تبحث عن فرص عمل. وأشار إلى أن نقابة الأطباء عقدت اجتماعًا طارئًا لمناقشة أزمة الهجرة والنقص في الكوادر، وطالبت بتدخل حكومي يتيح زيادة الوظائف الطبية وتخفيف أعباء العمل.
وقال إن المطلوب لا يقتصر على تعويض الأطباء الذين يغادرون البلاد، بل توظيف أعداد إضافية تسمح بتحسين ظروف العمل وتقليل الضغط داخل الأقسام الطبية. وتساءل عن تداعيات نقل الميزانيات من الصحة إلى الإنفاق الأمني، في ظل استمرار حاجة المواطنين والعسكريين على حد سواء إلى خدمات علاجية متطورة ومتاحة.
آلاف الأطباء العرب دون عمل رغم النقص في المستشفيات
وفي ما يتعلق بأزمة تشغيل الأطباء العرب، أشار بشارات إلى وجود ما بين 4000 و5000 طبيب عربي لا يعملون في مهنة الطب، وفق تقديراته، رغم الحاجة إلى كوادر إضافية داخل الجهاز الصحي.
وقال إن استيعاب هؤلاء الأطباء يمكن أن يشكل جزءًا مهمًا من الحل، من خلال زيادة عدد العاملين في المستشفيات وتقليص الضغط على الأطباء الحاليين. وأوضح أنه شارك في اجتماعات مع مسؤولين في وزارة الصحة، جرى خلالها بحث خطط لاستيعاب أطباء جدد، لكنه أشار إلى أن تنفيذ هذه الخطط لا يزال مرتبطًا بتوفير الميزانيات والوظائف اللازمة.
وأعرب عن أمله في أن تتيح السياسات الحكومية المقبلة توسيع فرص التشغيل في القطاع الصحي، بما يسمح بالاستفادة من الكوادر الطبية المتوفرة والحد من استمرار هجرتها.
وتجدر الإشارة إلى أن تقدير عدد الأطباء العرب غير العاملين ورد على لسان بشارات خلال المقابلة، دون عرض معطيات تفصيلية حول مؤهلاتهم أو تراخيص مزاولة المهنة أو أوضاعهم المهنية.
من 5 إلى 9 كليات طب وتوقعات بمضاعفة عدد الخريجين
وفي سياق متصل، تناول بشارات التوسع في التعليم الطبي داخل إسرائيل، موضحًا أن عدد كليات الطب ارتفع من خمس إلى تسع كليات، بالتزامن مع خطط لزيادة أعداد الطلاب المقبولين.
وقال إن الجامعات الإسرائيلية كانت تخرّج سابقًا نحو 800 إلى 870 طبيبًا سنويًا، بينما يُتوقع، وفق تقديراته، أن يرتفع العدد خلال السنوات الخمس المقبلة إلى ما بين 1700 و2000 طبيب سنويًا.
واعتبر أن هذا التوسع قد يغيّر احتياجات سوق العمل من خريجي كليات الطب في الخارج، داعيًا الطلاب الراغبين في دراسة الطب خارج البلاد إلى دراسة خياراتهم بعناية، خصوصًا في ما يتعلق بالاعتراف بالشهادات وفرص الترخيص والتشغيل بعد التخرج.
لكنه أشار في المقابل إلى أن زيادة أعداد الخريجين لن تعالج وحدها أزمة نقص الأطباء ما لم تترافق مع توسيع الوظائف وتحسين ظروف العمل وتوفير التمويل اللازم للمستشفيات.
بشارات: التحريض السياسي لا يعكس العلاقات المهنية
وتطرق بشارات إلى الخطاب التحريضي ضد المواطنين العرب، وتأثيره المحتمل على العلاقات بين الأطباء العرب واليهود داخل المؤسسات الصحية.
وأكد، استنادًا إلى تجربته المهنية، أن التعاون بين الأطباء العرب واليهود لا يزال قائمًا بصورة واسعة، وأن العلاقات اليومية داخل الجهاز الصحي تختلف عن الخطاب السياسي المتداول في بعض الأوساط. وقال إن زملاءه ومرضاه اليهود يتعاملون معه بصورة إيجابية، وإن بعضهم يعبّر عن رفضه للتصريحات التحريضية ويؤكد له عدم أخذها على محمل شخصي.
وشدد على أهمية الحفاظ على التعاون المهني داخل المؤسسات الطبية، معتبرًا أن الجهاز الصحي يعتمد على عمل الطواقم المختلفة وتكامل أدوارها في تقديم العلاج لجميع المواطنين.
وحذّر بشارات من أن استمرار هجرة الأطباء دون معالجة أسبابها سيزيد الضغط على المستشفيات، وقد ينعكس على جودة الخدمات الطبية وقدرتها على تلبية احتياجات السكان.
وأكد أن الحل يتطلب خطة شاملة تشمل زيادة التمويل، وتحسين شروط العمل، وتقليص المناوبات الطويلة، وتوسيع فرص تشغيل الأطباء المؤهلين، بدلًا من الاكتفاء بزيادة أعداد خريجي كليات الطب.


