أظهرت دراسة جديدة أجراها باحثون من كلية الزراعة في الجامعة العبرية بالقدس أن الجزيئات الدقيقة الناتجة عن تآكل إطارات السيارات لا تقتصر على كونها ملوثات بلاستيكية دقيقة، بل تطلق تدريجيًا مواد كيميائية قد تمتصها المحاصيل الزراعية وتصل إلى السلسلة الغذائية.
ونُشرت الدراسة في مجلة "أبحاث بيئية"، وخلصت إلى أن جزيئات الإطارات تعمل كـ"خزانات للملوثات"، إذ تطلق في البداية مواد كيميائية موجودة على سطحها، ثم تستمر بإطلاق مواد أخرى محبوسة داخل المطاط على مدى أشهر، ما يجعلها مصدرًا طويل الأمد لتلوث التربة.
امتصاص المواد الكيميائية في المحاصيل
اختبر الباحثون سلوك جزيئات الإطارات التي جُمعت من ورش تصليح سيارات في إسرائيل، ودرسوا انتقال ست مواد كيميائية شائعة في صناعة الإطارات إلى نباتي الخس والبرسيم.
وأظهرت النتائج أن مركب DPG كان الأكثر تراكمًا في أوراق النباتات، إلى جانب مركبات أخرى مثل 6PPD-quinone وHMMM وbenzothiazole، كما رُصدت نواتج تحلل هذه المواد داخل أنسجة النباتات، ما يشير إلى امتصاصها وتحولها داخل النبات.
وفي نباتات خس زُرعت لمدة 44 يومًا، سجل الباحثون تركيزات ملحوظة من هذه المركبات، فيما أشاروا إلى أن مركب DPG سبق أن رُصد في عينات بول لنحو 70% من الأطفال و20% من البالغين في نيويورك، وكذلك في عينات دم الحبل السري لنساء حوامل في الصين.
الملوثات موجودة في الخضروات المتداولة
وأجرى الفريق البحثي دراسة موازية على 28 عينة من الخضروات الورقية التجارية من إسرائيل وسويسرا وإيطاليا وإسبانيا، فتبين أن ستة من أصل 16 مركبًا كيميائيًا تم فحصها كانت موجودة بالفعل في المنتجات الغذائية.
ووجد الباحثون أن ما لا يقل عن 71% من العينات احتوت على مادة كيميائية واحدة على الأقل مصدرها الإطارات، فيما كان مركب benzothiazole (BTZ) الأكثر انتشارًا، وسجلت أعلى مستوياته في عينات خس إسرائيلية.
وأشار الباحثون إلى أن هذه المواد تصل إلى الحقول الزراعية عبر ثلاثة مسارات رئيسية: الغبار وجريان مياه الأمطار من الطرق، ومياه الصرف الصحي المعالجة المستخدمة في الري، والسماد العضوي المنتج من معالجة الحمأة.
مياه الري المعالجة قد تكون الناقل الرئيسي
ورجح الباحثون أن تكون مياه الري المعالجة في إسرائيل الناقل الأهم لهذه المواد، إذ لا تستطيع محطات معالجة مياه الصرف إزالة جميع المركبات الكيميائية القادمة من الطرق، ما يسمح بوصولها إلى الأراضي الزراعية.
كما أظهرت الدراسة أن الخضروات التي احتوت على أعلى مستويات من بقايا الأدوية كانت أيضًا الأعلى في تركيز المواد الكيميائية الناتجة عن الإطارات، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشرًا على أن مياه الري المعالجة تمثل مصدرًا مشتركًا لهذه الملوثات.
دعوات لتشديد الرقابة
وأكد الباحثون أن الكميات التي يتعرض لها المستهلك عبر الغذاء ما تزال منخفضة مقارنة بمصادر تعرض أخرى مثل الغبار المنزلي أو مياه الشرب، لكنها تمثل تعرضًا يوميًا ومتواصلًا.
ودعا الفريق إلى إجراء مسح بيئي واسع قرب الطرق الرئيسية، ودراسة إنشاء مناطق عازلة تمنع زراعة المحاصيل الغذائية بمحاذاة الطرق ذات الحركة المرورية الكثيفة، إلى جانب تحسين إدارة ومعالجة مياه الجريان السطحي ومياه الري، وتشديد الرقابة على هذا النوع من الملوثات الذي لا يخضع حاليًا للرصد المنتظم.


