قدّم رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" السابق، رونين بار، اليوم الأربعاء، دعوى تشهير ضد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أمام المحكمة المركزية في تل أبيب، مطالبًا بتعويضات مالية بقيمة 3 ملايين شيكل، على خلفية اتهامات وجّهها إليه نتنياهو بشأن مسؤوليته عن الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتتضمن الدعوى رواية مفصلة للتحذيرات الأمنية التي يقول بار إنه نقلها إلى نتنياهو خلال الأشهر السابقة للهجوم، إلى جانب تفاصيل تتعلق بتبادل المعلومات الاستخباراتية في الساعات التي سبقت اندلاعه.
اتهامات بتجاهل التحذيرات
بحسب لائحة الدعوى، يؤكد بار أنه حذّر نتنياهو مرارًا من تراجع قوة الردع الإسرائيلية، وتعاظم قدرات حركة حماس، واحتمال اندلاع مواجهة أمنية متعددة الجبهات، إلا أن توصياته باتخاذ إجراءات هجومية لم تُنفذ، وفق ادعائه.
ويقول بار إن نتنياهو تمسّك بسياسة تهدف إلى الحفاظ على الهدوء في قطاع غزة وتجنب التصعيد، رغم التحذيرات التي قدّمها الشاباك بشأن المخاطر المترتبة على هذه السياسة.
تحذير من "عاصفة مثالية"
وتكشف الدعوى أن بار وجّه إلى نتنياهو، في 13 شباط/فبراير 2023، رسالة شخصية حذّر فيها من احتمال نشوء ما وصفه بـ"عاصفة مثالية"، نتيجة تزامن الانقسام الداخلي في إسرائيل مع حالة عدم الاستقرار في الساحة الفلسطينية، بما قد يشجّع أطرافًا معادية على استغلال الوضع.
وبحسب رواية بار، فإن نتنياهو ردّ في اليوم التالي مطالبًا رئيس الشاباك باستنفاد الوسائل اللازمة لضمان أمن المسؤولين المنتخبين ورموز الحكم، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة وأفراد عائلته.
ارتفاع التحذيرات الأمنية ثلاثة أضعاف
وفي اجتماع عُقد يوم 22 آذار/مارس 2023، يقول بار إنه أبلغ نتنياهو بارتفاع عدد التحذيرات من عمليات محتملة إلى ثلاثة أضعاف، وأوصى باستهداف أحد كبار المسؤولين في غزة.
ووفق الدعوى، انصبّ جانب كبير من رد نتنياهو خلال الاجتماع على مسألة الجهة التي ستطيعها الأجهزة الأمنية في حال اندلاع أزمة دستورية، إضافة إلى قضايا تتعلق بحماية مقار إقامة المسؤولين والاحتجاجات ضد الحكومة.
تحذير مباشر من اندلاع حرب
وفي 23 تموز/يوليو 2023، يؤكد بار أنه أجرى اتصالًا مباشرًا مع نتنياهو عبر الخط الهاتفي المخصص للتواصل الأمني، ونقل إليه تحذيرًا استراتيجيًا من احتمال اندلاع حرب.
وبحسب الدعوى، أوضح بار أن خصوم إسرائيل ينظرون إلى الانقسام الداخلي باعتباره فرصة، مشددًا على أن الأجهزة الأمنية لا تستطيع تحديد اليوم والساعة اللذين قد تشهد فيهما المنطقة تصعيدًا.
ويقول بار إنه أوصى باتخاذ خطوة استباقية لاستعادة الردع، لكن توصيته لم تلقَ استجابة من نتنياهو، وفق ادعائه.
خلاف حول سياسة التعامل مع حماس
وتشير الدعوى إلى أن بار عارض التقديرات التي اعتبرت حركة حماس مردوعة، وأوصى باتخاذ إجراءات تشمل تقليص دخول العمال من قطاع غزة، وتنفيذ عمليات استهداف محددة ضد مسؤولين في الحركة.
كما يدّعي أن نتنياهو دعم استمرار تحويل الأموال القطرية إلى غزة، رغم تحذيرات من الشاباك بأن جزءًا من هذه الأموال استُخدم، بحسب المعلومات الاستخباراتية التي يقول الجهاز إنه امتلكها، لتعزيز القدرات العسكرية لحماس، بما يشمل حفر الأنفاق وشراء الأسلحة.
ويضيف بار أن خططًا لاستهداف قيادات في الحركة طُرحت على المستوى السياسي، لكنها لم تحصل على الموافقات اللازمة للتنفيذ.
تحذيرات خلال أيلول 2023
ووفق التسلسل الزمني الوارد في الدعوى، حذّر بار خلال اجتماعات أمنية في أيلول/سبتمبر 2023 من تزايد احتمالات التصعيد، ودعا إلى تنفيذ خطوات هجومية وتكثيف الاستعدادات الأمنية على حدود قطاع غزة.
وفي اجتماع للمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية، عُقد في 12 أيلول، يقول بار إنه شدّد على ضرورة تغيير الواقع الأمني، بينما وجّه نتنياهو، بحسب الدعوى، إلى العمل من أجل مرور فترة الأعياد اليهودية بأكبر قدر ممكن من الهدوء.
كما يشير بار إلى أنه أوصى في مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2023 بالاستعداد لاحتمال اندلاع جولة قتالية قبل انتهاء الأعياد، مع طرح خطة لاستهداف مسؤولين في حماس.
ماذا حدث ليلة 7 أكتوبر؟
وتتناول الدعوى بصورة موسعة مسألة نقل المعلومات الاستخباراتية خلال الساعات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر.
ويرفض بار اتهامات نتنياهو بأن الشاباك أخفى عنه معلومات بشأن خطر أمني وشيك، مؤكدًا أنه جرى عند الساعة 03:03 فجرًا تعميم تحذير على الجهات الأمنية المختلفة، بينها الجيش والشرطة ومجلس الأمن القومي.
وبحسب الدعوى، أشارت المعلومات إلى مؤشرات على نشاط هجومي محتمل على طول الحدود مع قطاع غزة، دون أن تكون طبيعة ذلك النشاط واضحة في حينه.
ويقول بار إنه أصدر تعليمات بنقل تحديث إلى السكرتير العسكري لنتنياهو آنذاك، آفي غيل، وفق آلية التواصل المعتمدة مع مكتب رئيس الحكومة، مشيرًا إلى أن القرار موثّق في الأنظمة المحوسبة لغرفة عمليات الشاباك.
خلاف بشأن الاتصال بنتنياهو
ويدّعي بار أن نتنياهو لم يزوّده برقم هاتفه المحمول للتواصل المباشر، وأن الاتصال معه كان يتم عبر السكرتير العسكري ورئيس طاقم مكتبه تساحي برافرمان.
في المقابل، رد نتنياهو عبر حسابه على منصة "إكس"، متسائلًا عن سبب عدم اتصال بار به شخصيًا ليلة الهجوم.
وقال نتنياهو إن بار كان يمتلك رقم هاتفه الأمني المباشر، وكان بإمكانه الاتصال به فورًا، كما كان يستطيع الوصول إليه خلال دقائق عبر عناصر حراسة الشاباك المرافقين له على مدار الساعة.
وأضاف نتنياهو متسائلًا عن عدد الأرواح التي كان من الممكن إنقاذها لو تلقى اتصالًا في الوقت المناسب.
اتصال برئيس الأركان عند 06:29
ويرفض بار كذلك الادعاءات بأنه أجرى اتصالات مع رئيس الأركان ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية خلال الليلة التي سبقت الهجوم.
ووفق روايته، فإن أول اتصال بينه وبين رئيس الأركان جرى عند الساعة 06:29 صباحًا، بعد بدء إطلاق الصواريخ، وأعرب خلاله عن مخاوف من أن يكون القصف الصاروخي محاولة لصرف الانتباه عن عمليات تسلل إلى داخل إسرائيل.
كما يؤكد أن إرسال فريق العمليات الخاص المعروف باسم "تيكيلا" لا يشكّل بحد ذاته دليلًا على وجود معلومات مسبقة بشأن هجوم واسع النطاق، موضحًا أن إرسال مثل هذه الفرق إجراء يُتخذ في مناسبات متعددة ولا يستلزم بالضرورة موافقة رئيس الجهاز.
إقرار بالمسؤولية عن الإخفاق
وفي دعواه، يقرّ بار بمسؤوليته عن جانب من الإخفاق الاستخباراتي الذي سبق هجوم السابع من أكتوبر، باعتباره المسؤول الذي ترأس جهاز الشاباك في تلك الفترة.
ويؤكد أنه لا يسعى من خلال الدعوى إلى التنصل من مسؤولية الجهاز، لكنه يرفض ما يعتبره محاولة من نتنياهو لتحميله المسؤولية الكاملة عن الأحداث، وإبعاد النقاش عن مسؤولية المستوى السياسي.
ويشير بار إلى أنه أعلن استقالته من منصبه تحمّلًا للمسؤولية، في حين جاءت مغادرته الجهاز بعد قرار حكومي بإقالته، خلال فترة شهدت تدخلًا قضائيًا في القرار.
مطالبة بكشف الوثائق أمام المحكمة
ويطالب بار، ضمن الإجراءات القضائية، بالكشف عن وثائق ومحاضر تتعلق بالتحذيرات الأمنية والاجتماعات التي سبقت الهجوم، مع مراعاة الاعتبارات المرتبطة بأمن الدولة.
كما يدعو نتنياهو إلى عدم التذرع بالحصانة البرلمانية أو الوظيفية في مواجهة الدعوى، معتبرًا أن المسار القضائي قد يتيح الكشف عن الوقائع التي لا تزال موضع خلاف بين الطرفين.
ويؤكد بار أن قراره اللجوء إلى القضاء يأتي أيضًا على خلفية عدم تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر، قائلًا إن الحقيقة ستُبحث أمام المحكمة في غياب مثل هذه اللجنة.
روايتان متعارضتان بانتظار الحسم القضائي
وتعكس الدعوى استمرار الخلاف العلني بين نتنياهو وبار بشأن المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية والاستخباراتية التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر 2023.
وفي حين يؤكد بار أنه قدّم تحذيرات متكررة ونقل المعلومات إلى الجهات المختصة، يتمسك نتنياهو بموقفه المنتقد لعدم تلقيه اتصالًا مباشرًا من رئيس الشاباك خلال الساعات الحاسمة التي سبقت الهجوم.
وتبقى الادعاءات المتبادلة بين الطرفين محل نزاع، بانتظار النظر في الدعوى والوثائق والأدلة التي قد تُعرض خلال الإجراءات القضائية.



