الحر يضرب الاقتصاد العالمي والناتج ينخفض7% في بعض الدول

بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، بلغ تأثير الطقس خلال 2026 مستويات أشد من بعض السيناريوهات التي كان خبراء المناخ يعتبرونها متشائمة.

تتزايد الخسائر التي تتكبدها الشركات والأسر بسبب موجات الحر والحرائق والدخان والعواصف والأمطار الغزيرة وانقطاع الكهرباء. فالشركات تواجه ارتفاعًا في تكاليف الطاقة، وتلفًا في المنتجات، وتراجعًا في المبيعات، وتقليصًا لساعات العمل، فيما تؤدي الحرارة والدخان أيضًا إلى إغلاق المدارس والحضانات وتعطيل قدرة الأهالي على الذهاب إلى العمل. وبحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، بلغ تأثير الطقس خلال 2026 مستويات أشد من بعض السيناريوهات التي كان خبراء المناخ يعتبرونها متشائمة.
ومن الأمثلة على ذلك ما حدث في بداية يونيو لمخبز تملكه ستيفاني هارت في جنوب شيكاغو، عندما انقطعت الكهرباء خلال عاصفة شديدة تزامنت مع موجة حر خانقة. وأدى الانقطاع إلى تلف 500 قطعة مثلجات كانت قد أُعدت بطلب من أحد المطاعم، إضافة إلى منتجات من الشوكولاتة، وأصبحت كعكات بقيمة 30 ألف دولار محفوظة في ثلاجة كبيرة معرضة للتلف.
ولتجنب خسارة الكعكات، طلبت هارت من موظفيها ملء الثلاجة بالثلج الجاف، بتكلفة بلغت 1,700 دولار، وبدأت بالاتصال بسياسيين تعرفهم للمساعدة في إعادة الكهرباء. وعادت الكهرباء في اليوم التالي ونجت الكعكات من التلف، لكن الخطر لم ينته. فقد بدأت هارت بإنتاج كمية أكبر من الكعكات بعد تلقي الطلبات بدلًا من تخزينها مسبقًا، وهو ما يؤخر تسليمها للزبائن ويتطلب عملًا إضافيًا، كما تخطط لشراء مولد كهربائي للطوارئ قبل الصيف المقبل.
وتعرضت شبكة الكهرباء في شيكاغو لضغوط مزدوجة، إذ أسقطت الأمطار الغزيرة أعمدة كهرباء، بينما كان الطلب على الكهرباء مرتفعًا بسبب الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف خلال موجة الحر. والمشكلة نفسها تتكرر بأشكال مختلفة في أنحاء العالم، مع ارتفاع الخسائر التي تتحملها الشركات والأسر بسبب الحرارة والحرائق والدخان والعواصف.
وفي أوروبا، شهد الأسبوع الحالي موجة الحر الشديدة الخامسة منذ بداية الصيف، فيما سجل متوسط درجات الحرارة خلال يونيو ويوليو أعلى قراءة مسجلة له على الإطلاق. وفي الولايات المتحدة، كان يوليو الأكثر حرارة منذ بدء تسجيل درجات الحرارة.
ويدرس الاقتصاديون منذ سنوات تأثير تغير المناخ في النمو الاقتصادي والتضخم والتوظيف. وكانت تقديرات الأضرار التي وقعت حتى الآن محدودة نسبيًا، بينما أصبحت توقعات الأضرار طويلة الأمد أكثر حدة. لكن ألكسندر هايل، خبير اقتصاد المناخ في مؤسسة الأبحاث الاقتصادية “كونفرنس بورد”، قال إن تكرار حالات الطوارئ كل عام لم يعد يسمح للشركات والمؤسسات بتأجيل معالجة هذه المشكلات.
وبحثت شركة التأمين “أليانز” ما يمكن أن يحدث للاقتصادات خلال السنوات الخمس المقبلة إذا كانت درجات الحرارة مماثلة لما شهدته السنوات الخمس الأكثر حرارة بين 2014 و2024. وخلصت إلى أن الناتج الاقتصادي للدول الأكثر تعرضًا للحرارة، ومن بينها فرنسا واليابان وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا، قد يكون أقل بما يتراوح بين 5 و7 نقاط مئوية بحلول 2030، مقارنة بالسيناريو الأساسي الذي تعتمد عليه التوقعات الاقتصادية.
ولا تقتصر الخسائر على الشركات والأفراد. فالحرارة تقلص إيرادات الحكومات من الضرائب بسبب تراجع الإنتاج والاستهلاك، وفي الوقت نفسه تجبرها على زيادة الإنفاق لإصلاح البنية التحتية المتضررة. وتقدر “أليانز” أن العجز الحكومي السنوي قد يرتفع بقيمة تعادل 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ما قد يهدد الاستقرار المالي في الدول الأكثر تضررًا.
ويرى حازم كريشن، خبير اقتصاد المناخ في “أليانز للأبحاث”، أن هذه التقديرات قد تكون متحفظة. وقال إنه عندما بدأ العمل على المشروع في الخريف الماضي، اعتبر بعض الأشخاص افتراض تكرار أشد 5 موجات حر خلال العقد الماضي سيناريو متشائمًا، لكن الأحوال المسجلة منذ بداية 2026 كانت أسوأ من ذلك السيناريو.
وتؤثر الحرارة في الاقتصاد عبر مسارين رئيسيين. الأول هو الطاقة، إذ تصبح معظم وسائل إنتاج الكهرباء، بما فيها الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والسدود وتوربينات الغاز، أقل كفاءة في درجات الحرارة المرتفعة جدًا. وفي الوقت نفسه، يرتفع استهلاك الكهرباء في معظم الدول بسبب زيادة استخدام أجهزة التكييف في المنازل والشركات. ويؤدي انخفاض كفاءة الإنتاج وارتفاع الطلب في الوقت نفسه إلى زيادة أسعار الكهرباء وارتفاع خطر انقطاعها.
أما المسار الثاني فهو إنتاجية العمال. فمواقع البناء تضطر إلى تقليص ساعات العمل بسبب الحرارة، كما تؤثر درجات الحرارة المرتفعة في نوم العاملين وقدرتهم على العمل. وعندما تضطر المدارس ومراكز رعاية الأطفال إلى الإغلاق، يضطر بعض الأهالي إلى التغيب عن العمل.
ووجدت دراسة حديثة أن كل يوم تُلغى فيه خدمات رعاية الأطفال في المدارس بسبب دخان حرائق الغابات يقلل احتمال بقاء الأمهات اللواتي لديهن أطفال صغار في العمل بنقطة مئوية واحدة. ويرجح الباحثون أن السبب هو صعوبة استمرار الغياب المتكرر في أماكن العمل التي لا توفر مرونة كافية للموظفين.
وتواجه بالوما كورونا هذه المشكلة في حضانتين تديرهما في لوس أنجلوس. فقد أدت الحرارة والدخان خلال السنوات الأخيرة إلى مضاعفة فواتير الكهرباء لديها. وفي بعض الأيام تضطر إلى إبقاء الأطفال داخل المبنى طوال اليوم بسبب درجات الحرارة، واضطرت عدة مرات خلال الصيف الحالي إلى تحذير الأهالي من احتمال انقطاع الكهرباء أو مطالبتهم بأخذ أطفالهم إلى المنازل مبكرًا بسبب الحر. وأوضحت أن الضرر لا يقتصر على نشاطها التجاري، بل يمتد إلى العائلات التي لا تعرف مسبقًا ما إذا كانت ستضطر إلى ترك العمل لاستلام أطفالها.
وأظهرت دراسة نُشرت في يوليو أن درجات الحرارة المرتفعة بشكل استثنائي تترك آثارًا اقتصادية تمتد لأشهر حتى في الولايات الأميركية الغنية. وهذه النتائج تحسب التأثيرات غير المباشرة للحرارة، مثل تراجع الاستهلاك والقدرة على العمل، ولا تشمل الدمار المباشر الذي تسببه حرائق الغابات.
وفي أوروبا، ازدادت حدة الحرائق خلال الصيف الحالي، إذ دمرت حرائق سريعة الانتشار مساحات واسعة، وغطى الدخان المدن وأُجبر آلاف الأشخاص على إخلاء منازلهم. ووجدت دراسة أجرتها الاقتصادية سارة ماير أن حرائق الغابات في أوروبا بين 2010 و2018 خفضت معدلات النمو السنوية في المناطق المتضررة، وكان قطاعا تجارة التجزئة والسياحة من أبرز القطاعات التي تضررت.
وتشير الأوضاع هذا الصيف إلى خسائر قد تتجاوز ما رصدته الدراسة السابقة، إذ تجاوزت تكاليف إطفاء الحرائق بالفعل إجمالي التكلفة الاقتصادية التي حددتها الدراسة. وقالت ماير إن حرائق الغابات لم تكن في السابق بهذا القرب من المدن الأوروبية الكبرى، وأضافت أن البيانات المتعلقة بالبرتغال واليونان وإسبانيا لا تظهر وجود حد طبيعي لحجم الحرائق، ما يعني أن كل رقم قياسي يمكن أن يُكسر بفارق كبير.
ولا يتوقع أن يؤدي الخريف إلى انتهاء الضغوط المناخية. فمن المتوقع أن تتسبب ظاهرة “إل نينيو” القوية في حالات جفاف شديدة في أجزاء من العالم وأمطار مفرطة في مناطق أخرى، ما قد يعطل مواسم الزراعة والحصاد ويخفض إنتاج سلع غذائية أساسية، بينها القمح والذرة والسكر.
كما ينخفض إنتاج الدجاج من البيض مع ارتفاع درجات الحرارة. وأشارت شركة إنتاج اللحوم “بيلغريمز برايد”، خلال مكالمة مع محللين، إلى احتمال تراجع الإنتاج لهذا السبب. وتؤثر موجات الحر أيضًا في سلسلة توريد الأغذية، إذ يمكن أن تتلف المحاصيل بسبب أعطال أنظمة التبريد أثناء نقلها إلى الأسواق، ومن المتوقع أن يؤدي نقص المعروض إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية.
وتضع هذه التطورات البنوك المركزية أمام مشكلة إضافية. فقد تزامنت اضطرابات المناخ خلال العام الحالي مع حرب تجارية رفعت الأسعار في الولايات المتحدة، وصراع في الشرق الأوسط أدى إلى تقليص إمدادات الطاقة والأسمدة عالميًا. وقد تضطر البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهة ارتفاع الأسعار، رغم أن ذلك يزيد الضغوط المالية على الشركات والأسر.
وقال ريتشارد دي شازال، المحلل في شركة الاستثمار “ويليام بلير”، إن رفع أسعار الفائدة لا يؤدي إلى زيادة كمية الغذاء المتاحة، ولذلك يتجنب محافظو البنوك المركزية عادة التعامل مع نقص الإمدادات بهذه الطريقة. لكنه أضاف أنهم قد يشعرون بأنهم مضطرون إلى التحرك إذا لم تعالج الحكومات المشكلة.
وفي ظل محدودية الدعم الحكومي وارتفاع أسعار بوليصات التأمين مقابل تراجع ما تغطيه من أضرار، تحاول الشركات التكيف بنفسها. وتظهر تجربة نيكي برافو، مالكة سلسلة المقاهي الصغيرة “مومنتوم كوفي” في شيكاغو، كيف تؤثر الأحوال الجوية مباشرة في الإيرادات. فقد اضطرت إلى إغلاق أحد فروعها في يوم شهد دخانًا كثيفًا، كما تعرض فرع آخر لأضرار ناجمة عن المياه بعد عاصفة.
لكن المشكلة الأكبر بالنسبة لبرافو هي تزايد أيام الأمطار الغزيرة في شيكاغو، ما يقلل حركة الزبائن والسياح خلال عطلات نهاية الأسبوع. وكانت تتوقع مبيعات مرتفعة خلال مهرجان “لولابالوزا” الموسيقي، الذي يستمر 4 أيام في بداية أغسطس، لكن الأمطار هطلت خلال معظم عطلة نهاية الأسبوع، فتراجعت مبيعات فرعها في وسط المدينة بنسبة 40% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ولذلك تخطط لجعل مواعيد ورديات الموظفين أكثر مرونة ومحاولة جذب عدد أكبر من الزبائن خلال أيام الأسبوع.
وتشير شركة الاستشارات “ماكينزي” إلى أن الاستثمار في حماية البنية التحتية والأعمال من آثار تغير المناخ، مثل دفن خطوط الكهرباء تحت الأرض وتغطية المحاصيل لتقليل تعرضها لأشعة الشمس، قد يكون مجديًا اقتصاديًا. لكن تنفيذ حماية شاملة يتطلب استثمارات أولية ضخمة تقدرها الشركة بـ540 مليار دولار سنويًا.
وعلى المدى القصير، بدأت الشركات والحكومات بتعديل ساعات العمل وإنشاء مراكز للتبريد وتوفير فترات لشرب المياه، كما ازداد التوجه إلى تركيب أجهزة تكييف في دول لم تكن تحتاج إليها سابقًا بهذا الشكل، مثل فرنسا وبريطانيا.
لكن إليني ميريفيلي، المسؤولة عن ملف الحرارة في برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، تحذر من الاعتماد على أجهزة التكييف باعتبارها الحل الوحيد. فاستخدام أنظمة تبريد تستهلك كميات كبيرة من الطاقة قد يصبح صعبًا على نطاق عالمي مع ارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء وزيادة صعوبة توفيرها.
ولهذا تدعو ميريفيلي، على المدى المتوسط، إلى تصميم مبانٍ تحافظ على درجات حرارة أقل في الداخل، وزيادة النباتات والأشجار في الشوارع لامتصاص الحرارة بدلًا من انعكاسها، وتجنب مشاريع البناء الجديدة في المناطق الأكثر حرارة. وعلى المدى الطويل، تؤكد أن الحد من تغير المناخ يتطلب خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.