كشفت أجهزة الأمن الإسرائيلية، خلال أكثر من عام على اندلاع الحرب، عن عشرات قضايا التجسس الخطيرة التي تورط فيها مواطنون إسرائيليون جُنّدوا للعمل لصالح أجهزة استخبارات إيرانية، في واحدة من أوسع حملات التجنيد التي شهدتها البلاد منذ عقود.
وبحسب معطيات نُشرت في وسائل إعلام إسرائيلية، فقد تم حتى الآن الكشف عن 35 قضية تجسس خطيرة منذ بداية الحرب، شملت أفرادًا وجماعات منظمة، بعضهم عمل بشكل منفرد، وآخرون ضمن خلايا، وتنوعت مهامهم بين جمع معلومات، وتصوير مواقع حساسة، وتنفيذ أعمال تخريب، وصولًا إلى التخطيط لعمليات اغتيال.
من التخطيط لاغتيال كبار المسؤولين إلى الفوضى في الشارع
أولى القضايا التي كشفت حجم الاختراق تعود إلى أيلول/سبتمبر 2024، حين تم اعتقال مردخاي (موتي) ممان، البالغ من العمر 72 عامًا من مدينة أشكلون، بعد اتهامه بإجراء اتصالات مباشرة مع عناصر استخبارات إيرانية، ودخول إيران دون تصريح. ووفق لائحة الاتهام، ناقش ممان مع مشغليه الإيرانيين إمكانية تنفيذ عمليات إرهابية داخل إسرائيل، شملت الحديث عن اغتيال رئيس الحكومة، ووزير الأمن، ورئيس جهاز الشاباك آنذاك، قبل أن يتم التطرق إلى بدائل مثل استهداف مسؤولين سابقين ورؤساء بلديات.
ومنذ تلك القضية، تكشّفت تباعًا عشرات الملفات التي أظهرت نمطًا متشابهًا: تجنيد عبر شبكات التواصل، خصوصًا “تلغرام”، مقابل مبالغ مالية تُدفع نقدًا أو عبر العملات الرقمية.
مهام متنوعة: تصوير، حرق، تخريب، وحتى اغتيال
تنوعت المهام التي أوكلتها الجهات الإيرانية للمجندين، وشملت: تصوير منازل وزراء، وأعضاء كنيست، ومسؤولين أمنيين، جمع معلومات عن قواعد عسكرية، ومنظومات دفاعية مثل “القبة الحديدية”، مراقبة تحركات طائرات ومواقع انتشار قوات الجيش، إحراق سيارات، ورش شعارات سياسية، وبث الفوضى في الشارع، محاولات لتجنيد منفذين لعمليات اغتيال أو إلقاء عبوات ناسفة، وفي بعض القضايا، عُرض على المتهمين تنفيذ “اغتيال شخصية رفيعة” مقابل مبالغ وصلت إلى مئات آلاف الدولارات بالعملات المشفّرة.
جنود، طلاب، قاصرون… لا فئة مستثناة
اللافت في هذه القضايا أن المتورطين ينتمون إلى شرائح عمرية واجتماعية متباينة، بحيث شملت جنود نظاميون وجنود احتياط استغلوا وصولهم إلى معلومات مصنفة، طلاب جامعات ومهندسون، شبان يعانون من ديون أو أزمات مالية، وحتى قاصرون، بينهم فتى يبلغ 13 عامًا ونصف، جُنّد لرش شعارات وتصوير مواقع.
كما شملت القضايا مواطنين يهودًا وعربًا، ومهاجرين جدد، وأشخاصًا يحملون جنسيات مزدوجة، ما يعكس اتساع دائرة الاستهداف الإيراني.
ارتباط بحزب الله ومحور إيران
في عدد من الملفات، تبيّن وجود صلة مباشرة بحزب الله أو وسائل إعلام محسوبة عليه، حيث نُقلت معلومات حساسة عن مواقع سقوط صواريخ، وتحركات عسكرية، ومواقع استراتيجية خلال الحرب. كما كشفت التحقيقات عن قنوات تنسيق مع شخصيات تعمل ضمن “قوة القدس” الإيرانية.
المال هو الدافع الأبرز
وفق تقديرات أجهزة الأمن، فإن الدافع المالي كان العامل المشترك الأبرز في معظم القضايا، حيث استغل المشغّلون الإيرانيون الأوضاع الاقتصادية، والديون، أو البحث عن “المال السهل”، مع وعود بمبالغ متصاعدة مقابل مهام أخطر.
تعكس هذه القضايا، بحسب مصادر أمنية، تصعيدًا واضحًا في النشاط الاستخباراتي الإيراني داخل إسرائيل، خاصة في ظل الحرب، ومحاولة استغلال التوتر الداخلي والثغرات الاجتماعية والأمنية.
وتؤكد الأجهزة الأمنية أنها أحبطت معظم المخططات قبل تنفيذها، لكنها تحذر من استمرار محاولات التجنيد، داعية المواطنين إلى الحذر من أي تواصل مشبوه عبر الشبكات الاجتماعية، والإبلاغ الفوري عن أي محاولة استدراج أو عرض مالي مقابل “مهام بسيطة”.


