لا تزال الصحة الجنسية لدى الرجال في المجتمع العربي من الملفات التي تُطرح بحذر شديد، رغم تأثيرها المباشر على الصحة العامة وجودة الحياة والاستقرار النفسي والأسري. ففي الوقت الذي تطورت فيه إمكانيات التشخيص والعلاج، ما زال كثير من الرجال يترددون في طلب الاستشارة الطبية، إما بسبب الخجل، أو بسبب الاعتقاد بأن المشكلة “مؤقتة”، أو نتيجة التعامل مع الموضوع كقضية شخصية لا تستدعي التوجه إلى الطبيب.
وفي حديث لراديو الناس، شدد د. عنان حسين، الطبيب المختص في جراحة المسالك البولية والضعف الجنسي وعقم الرجال في مستشفى هعيمك بالعفولة، على أن تأخر التوجه للعلاج يشكل إحدى أبرز العقبات أمام التعامل الصحيح مع مشاكل الصحة الجنسية لدى الرجال، مؤكدًا أن كسر حاجز الصمت هو الخطوة الأولى نحو التشخيص والعلاج.
د. عنان حسين: كثير من الرجال يصلون إلى العيادة متأخرين بسبب الخجل
المنتصف مع فرات نصار
05:55
وقال د. حسين إن “المشكلة الأساسية ليست دائمًا في وجود المرض نفسه، بل في التأخر بطلب المساعدة”، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الرجال يصلون إلى العيادة بعد فترة طويلة من المعاناة، وبعد أن تكون المشكلة قد أثرت على علاقتهم الزوجية وثقتهم بأنفسهم وحالتهم النفسية.
الخجل لا يعالج المشكلة
يرى د. حسين أن الثقافة الاجتماعية المحيطة بالصحة الجنسية تجعل كثيرًا من الرجال يتعاملون مع هذه القضايا بصمت، رغم أنها قضايا طبية شائعة ويمكن علاجها في كثير من الحالات.
وأوضح أن “الضعف الجنسي أو مشاكل الخصوبة ليست عيبًا ولا وصمة، بل هي حالات طبية مثل أي مشكلة صحية أخرى”، لافتًا إلى أن الطبيب المختص يتعامل مع هذه الحالات بشكل مهني وسري، وأن التوجه للاستشارة لا يعني بالضرورة وجود مشكلة خطيرة، بل قد يكون بداية الاطمئنان أو العلاج المبكر.
وأشار إلى أن الخوف من نظرة المجتمع أو من الحديث مع الطبيب يؤدي في أحيان كثيرة إلى تفاقم المشكلة، خصوصًا عندما يلجأ بعض الرجال إلى علاجات عشوائية أو أدوية غير موثوقة بدل الفحص الطبي.
وقال: “من المهم أن يعرف الرجل أن العلاج يبدأ من التشخيص الصحيح، وليس من الوصفات العشوائية أو النصائح المتداولة بين الناس”.
الضعف الجنسي قد يكون إنذارًا صحيًا
وأكد د. حسين أن مشاكل الصحة الجنسية لا يجب النظر إليها بمعزل عن الصحة العامة، لأن الضعف الجنسي قد يكون أحيانًا مؤشرًا على أمراض أخرى، مثل السكري، ارتفاع ضغط الدم، اضطرابات الهرمونات، مشاكل القلب والشرايين، أو تأثيرات نفسية وضغوطات حياتية.
وأضاف أن “الجسم يرسل إشارات، والضعف الجنسي قد يكون واحدة من هذه الإشارات”، مشددًا على أن الفحص الطبي يساعد ليس فقط في علاج المشكلة الجنسية، بل أيضًا في كشف أمراض أخرى قد تكون غير مشخصة.
وبحسب د. حسين، فإن التعامل الجدي مع هذه الأعراض قد يفتح الباب أمام فحوصات شاملة، تشمل الوضع الهرموني، صحة الأوعية الدموية، السكري، ضغط الدم، نمط الحياة، التدخين، الوزن، والأدوية التي يتناولها المريض.
بين العلاج النفسي والطبي
أشار د. حسين إلى أن الصحة الجنسية ليست مسألة جسدية فقط، بل تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وعاطفية. فالتوتر، القلق، الخوف من الفشل، المشاكل الزوجية، وضغوط الحياة اليومية قد تكون عوامل مؤثرة، إلى جانب الأسباب العضوية. وقال إن “العلاج لا يكون دائمًا عبر دواء واحد، بل يبدأ بفهم السبب الحقيقي”، موضحًا أن بعض الحالات تحتاج إلى علاج دوائي، وأخرى تحتاج إلى تغيير نمط الحياة، وأحيانًا يكون الدعم النفسي أو الحوار بين الزوجين جزءًا مهمًا من الحل.
وأكد أن دور الطبيب لا يقتصر على وصف العلاج، بل يشمل الاستماع للمريض، فهم ظروفه، وتحديد المسار الأنسب له بعيدًا عن التعميم أو الأحكام المسبقة.
العقم عند الرجال: فحوصات ضرورية بدل الانتظار
وتطرق د. حسين إلى قضية عقم الرجال، مؤكدًا أن تأخر الفحص في حالات تأخر الإنجاب يضع عبئًا نفسيًا كبيرًا على الزوجين، خصوصًا عندما يتم التركيز اجتماعيًا على المرأة وحدها في بداية البحث عن الأسباب.
وقال إن “الرجل يجب أن يكون شريكًا في الفحص منذ البداية، لأن أسباب تأخر الإنجاب قد تكون من الطرفين”، مشيرًا إلى أن فحص الخصوبة لدى الرجل بسيط نسبيًا، ويمكن أن يعطي مؤشرات مهمة تساعد على تحديد العلاج المناسب.
وأضاف أن التعامل مع تأخر الإنجاب يجب أن يكون طبيًا وهادئًا، لا قائمًا على الاتهامات أو الضغط الاجتماعي، لأن التوتر بحد ذاته قد يزيد من معاناة الزوجين.
التحذير من العلاجات العشوائية
وحذر د. حسين من استخدام أدوية أو منشطات جنسية من دون استشارة طبية، خصوصًا تلك التي يتم تداولها عبر الإنترنت أو عبر مصادر غير موثوقة، مؤكدًا أن بعضها قد يكون خطيرًا على مرضى القلب أو الضغط أو من يتناولون أدوية معينة. وقال إن “ما يناسب شخصًا لا يناسب بالضرورة شخصًا آخر”، مشددًا على أن العلاج الآمن يبدأ من معرفة الحالة الصحية العامة للمريض، وفهم السبب الحقيقي للمشكلة.
وأوضح أن بعض الرجال يلجأون إلى حلول سريعة بسبب الإحراج، لكن هذه الحلول قد تؤخر التشخيص الصحيح أو تعرضهم لمضاعفات صحية غير ضرورية.
رسالة للرجال: لا تنتظروا تفاقم المشكلة
في ختام حديثه، وجه د. عنان حسين رسالة إلى الرجال في المجتمع العربي، دعاهم فيها إلى التعامل مع الصحة الجنسية كجزء طبيعي من الصحة العامة، وعدم الانتظار حتى تتحول المشكلة إلى أزمة نفسية أو زوجية. وقال إن “التوجه للطبيب ليس ضعفًا، بل خطوة مسؤولة”، مؤكدًا أن معظم الحالات يمكن التعامل معها بشكل أفضل عندما يتم تشخيصها مبكرًا، وأن السرية الطبية محفوظة، والهدف هو مساعدة المريض لا إحراجه.
وتبقى التوعية الطبية، بحسب مختصين، عاملًا أساسيًا في تغيير الثقافة السائدة حول هذه القضايا، وفتح الباب أمام نقاش صحي ومهني، يضع كرامة المريض وصحته وجودة حياته في مركز الاهتمام.


