الذكاء الاصطناعي يهز البنتاغون: واشنطن تخشى من خسارة التفوق أمام الصين

تسابق الولايات المتحدة الزمن للحفاظ على تفوقها في الذكاء الاصطناعي أمام الصين، وسط ارتباك في البنتاغون ومخاوف أمنية من تحول النماذج المتقدمة إلى أدوات عسكرية وسيبرانية شديدة الخطورة.

1 عرض المعرض
واشنطن تخشى من خسارة التفوق أمام الصين
واشنطن تخشى من خسارة التفوق أمام الصين
واشنطن تخشى من خسارة التفوق أمام الصين
(AI)
تواجه الولايات المتحدة سباقًا متسارعًا للحفاظ على تفوقها في مجال الذكاء الاصطناعي، وسط مخاوف متزايدة في المؤسسة الأمنية والعسكرية من أن تلحق الصين بها خلال أشهر، في وقت تكشف فيه التطورات الأخيرة عن ارتباك داخل إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن كيفية التعامل مع التكنولوجيا التي باتت قدراتها تتطور بوتيرة يصعب على المؤسسات الحكومية مواكبتها.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، الأحد، فإن التطورات السريعة في نماذج الذكاء الاصطناعي أحدثت هزة داخل البنتاغون وأجهزة الأمن القومي الأميركية، التي تنفق مليارات الدولارات على إدخال هذه التكنولوجيا في تطوير الأسلحة، وفحص الشبكات العسكرية واختبار قدرتها على الصمود أمام هجمات إلكترونية متقدمة.
وتتركز المخاوف الأميركية بصورة خاصة على الصين، التي يقدّر خبراء أميركيون أنها تتأخر بنحو 6 أشهر أو أقل عن الولايات المتحدة في تطوير أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدمًا، رغم أنها لا تزال متأخرة لسنوات في تصنيع أشباه الموصلات المتطورة اللازمة لتشغيل هذه الأنظمة.
خلاف البنتاغون مع “أنثروبيك”
ويكشف التقرير عن تناقض لافت في تعامل الإدارة الأميركية مع شركة “أنثروبيك”، إحدى الشركات الأميركية الرائدة في الذكاء الاصطناعي.
ففي منتصف تموز/ يوليو الماضي، تلقى عدد من أكبر المتعاقدين العسكريين الأميركيين رسالة من سلاح الجو تطالبهم بالتخلص، بحلول الأول من أيلول/ سبتمبر، من برمجيات “أنثروبيك” المستخدمة في أنظمة الأسلحة والسيطرة، تحت طائلة تعريض أعمالهم مع البنتاغون للخطر.
لكن بعد أقل من شهر، تلقى المتعاقدون تعليمات جديدة تسمح لهم، مؤقتًا، بتجاهل الأمر السابق وعدم إزالة منتجات الشركة.
ويعود الخلاف إلى مواجهة بين وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، والرئيس التنفيذي لـ“أنثروبيك”، داريو أمودي، بشأن القيود التي أرادت الشركة فرضها على استخدام الجيش لتقنياتها.
وطالبت الشركة بضمانتين أساسيتين قبل توفير منتجاتها للجيش: عدم استخدامها في المراقبة الداخلية للأميركيين، وعدم استخدامها لإنتاج أسلحة مستقلة بالكامل تعمل من دون رقابة بشرية نهائية. لكن هيغسيث رفض هذه الشروط، معتبرًا أن الشركات لا يحق لها تحديد كيفية استخدام الحكومة للتكنولوجيا العسكرية، قبل أن يصنف البنتاغون الشركة على أنها “خطر على سلسلة التوريد” ويحظر استخدامها عسكريًا.
البنتاغون يحظرها ووكالة الأمن القومي تستخدمها
غير أن محاولة إبعاد “أنثروبيك” اصطدمت بحاجة أجهزة الأمن الأميركية إلى قدراتها المتقدمة.
فقد طورت الشركة نموذجًا متقدمًا يحمل اسم “ميثوس”، مصممًا لاكتشاف الثغرات في البرمجيات واستغلالها، ما جعله أداة ذات أهمية كبيرة في العمليات السيبرانية.
وبينما أوقف البنتاغون استخدام نموذج الشركة في تحليل المعلومات الاستخبارية وكتابة البرمجيات، سُمح لوكالة الأمن القومي الأميركية باستخدام نسخ من “ميثوس” بصورة تجريبية.
وتستخدم الوكالة النموذج لاختبار دفاعات الشبكات العسكرية الأميركية، وكذلك للبحث عن نقاط ضعف محتملة في شبكات خصوم الولايات المتحدة، بينها الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران.
ونقل التقرير عن مسؤول أميركي كبير غادر منصبه مؤخرًا قوله إن التخلي عن قدرات النموذج في العمليات السيبرانية كان سيعادل نوعًا من “نزع السلاح من جانب واحد”، في ظل السباق الرقمي المتسارع.
أسلحة تعمل باستقلالية أكبر
وتشير المعطيات إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل جزءًا من البنية العسكرية والأمنية الأميركية، إذ أنفقت وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي مليارات الدولارات على استخدامه في تطوير أسلحة يمكنها العمل بدرجة أقل من التدخل البشري، إلى جانب اختبار الشبكات العسكرية وحتى الرموز النووية للتأكد من عدم قدرة أنظمة ذكاء اصطناعي معادية على اختراقها.
كما يشكل الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا في مشروع “القبة الذهبية” الذي يدفع به ترامب لإنشاء منظومة دفاع صاروخي تعتمد على الفضاء.
لكن التطور السريع للنماذج الجديدة تجاوز الكثير من السيناريوهات التي كانت الأجهزة الأميركية تستعد لها، خصوصًا مع احتمال امتلاك الصين قريبًا نماذج قوية وأقل تكلفة، يمكن أن تزيد قدراتها على اختراق شبكات الاتصالات والبنى التحتية الأميركية.
تشبيه بـ“السلاح النووي الرقمي”
وتعكس تصريحات مسؤولين أميركيين حجم القلق من التحول الجاري. فقد شبّه مدير وكالة الاستخبارات المركزية، جون راتكليف، قدرات الذكاء الاصطناعي بـ“الأسلحة النووية الرقمية”.
لكن الاختلاف الأساسي عن السباق النووي يكمن في أن الذكاء الاصطناعي لا تطوره الدول وحدها، بل شركات خاصة، فيما تتوفر نماذجه على نطاق واسع وتتغير قدراتها بصورة متواصلة.
وتشير “نيويورك تايمز” إلى أن مسؤولين صينيين بدأوا، في محادثات غير علنية، بإثارة إمكانية وضع شكل من أشكال ضبط التسلح في مجال الذكاء الاصطناعي، رغم عدم وجود تصور واضح حتى الآن لكيفية تطبيق ذلك.
وقال ترامب إن الذكاء الاصطناعي سيكون من بين المواضيع المطروحة عندما يلتقي الرئيس الصيني، شي جينبينغ، في واشنطن أواخر أيلول/ سبتمبر.
إدارة ترامب بين التنظيم والخوف من الصين
وفي موازاة السباق العسكري، يكشف التقرير عن تغييرات متكررة في سياسة إدارة ترامب تجاه تنظيم الذكاء الاصطناعي.
فبعد أن تبنت الإدارة في البداية نهجًا يقوم على تقليص القيود وتشجيع تصدير التكنولوجيا الأميركية، بدأت لاحقًا تتجه نحو فرض اختبارات أمنية على النماذج الأكثر تقدمًا.
واستدعت الإدارة مؤخرًا مسؤولين من كبرى الشركات المطورة للذكاء الاصطناعي، وأبلغتهم بأن النماذج الجديدة ستخضع لمراجعات حكومية للتأكد من عدم إمكانية استخدامها في تطوير أسلحة بيولوجية أو اختراق الأنظمة الأميركية السرية أو شبكات الاتصالات التي تتحكم بالأسلحة النووية.
لكن هذه السياسة تستثني النماذج “المفتوحة”، بما في ذلك العديد من النماذج التي تنتجها شركات صينية، وهو ما أثار انتقادات داخل قطاع التكنولوجيا باعتبار أن هذه النماذج قد تحمل مخاطر مماثلة.
ويواجه صانعو القرار الأميركيون بذلك معادلة معقدة: تشديد القيود على شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية قد يبطئ تقدمها ويمنح الصين فرصة لتقليص الفجوة، فيما قد يؤدي ترك القطاع من دون رقابة كافية إلى مخاطر أمنية وعسكرية غير مسبوقة.
ويلخص التقرير المعضلة بأن السيناريوهات التي كانت أجهزة الأمن القومي الأميركية تعتبرها قبل عام مجرد مخاطر افتراضية، بدأت تتحول بالفعل إلى واقع.