هل كان "الفالنتاين" يومًا للرومانسية فعلًا؟ من أين انطلقت هذه المناسبة، وكيف تحوّلت إلى حدثٍ سنويّ تتقاطع فيه الاحتفالات الاجتماعية مع اقتصاد موسمي واسع؟ وما الذي جعل اللون الأحمر رمزًا ثابتًا لها؟ بين الأسطورة والتاريخ، تتداخل روايات دينية وثقافية واجتماعية تفسّر كيف نشأ هذا اليوم وكيف أعيد تشكيل معناه عبر القرون.
ترتبط التسمية، وفق معظم الروايات التاريخية، بشخصيّة القدّيس "فالنتين"، الذي يُقال إنّه كان كاهنًا في روما خلال القرن الثالث الميلادي، أو أسقفًا من مدينة تيرني الإيطالية. وعلى الرغم من تعدّد السرديات واختلاف تفاصيلها، تشير الأسطورة الأكثر انتشارًا إلى رجل دين تحدّى قرارات الإمبراطور كلوديوس الثاني التي حظرت الزواج، فزوّج الجنود سرًّا وساعد المسيحيين المضطهدين، قبل أن يُعدم في الرابع عشر من شباط نحو عام 270 ميلاديًا. ومع مرور الزمن، تحوّلت ذكرى إعدامه إلى مناسبة دينية، وأسهمت هذه القصص – رغم غموضها التاريخي – في ترسيخ ارتباط اسمه بفكرة التضحية والحبّ.
إلى جانب الروايات الدينية، يربط بعض المؤرّخين نشأة العيد بمهرجان روماني وثني قديم يُعرف بـ"لوبركاليا"، كان يُقام في منتصف فبراير احتفالًا بالخصوبة وبداية الربيع. ومع توسّع المسيحية في أوروبا، سعت الكنيسة إلى إعادة تأطير بعض الطقوس القديمة ضمن سياق ديني جديد، فاعتمدت يومًا للقدّيس فالنتين ضمن تقويم الأعياد الكنسيّة في أواخر القرن الخامس الميلادي. لكن هل استُبدل لوبركاليا فعليًا بعيد الفالنتاين؟
يبقى هذا الربط محلّ نقاش بين الباحثين، إذ لا توجد أدلّة قاطعة على استبدال مباشر بين المناسبتين، بقدر ما يشير الأمر إلى تداخل تاريخي وثقافي بين تقاليد مختلفة أعيد تفسيرها بمرور الوقت. ومع انتقال المناسبة إلى السياق الأوروبي الوسيط، بدأت تُحمَّل بدلالات أدبية واجتماعية جديدة، لتبدأ تدريجيًّا رحلتها نحو المعنى الرومانسي الذي بات يميّزها اليوم.
متى صار اليوم "رومانسيًا"؟
لم يصبح الرابع عشر من فبراير يومًا للرومانسية إلّا بعد قرون من نشأته الدينية؛ إذ تشير مصادر تاريخية إلى أنّ التحوّل الحقيقي بدأ في أوروبا خلال العصور الوسطى، عندما شاع الاعتقاد بأنّ هذا التاريخ يوافق بداية موسم تزاوج الطيور، وهو تصوّر أضفى بعدًا عاطفيًا في المخيّلة الشعبية الفرنسية والإنجليزية. ومع توسّع الأدب الوسيط، ترسّخت هذه الصورة تدريجيًا، وظهرت رسائل الحبّ المكتوبة منذ القرن الخامس عشر، قبل أن تتحوّل المعايدات إلى تقليد اجتماعي واسع الانتشار.
وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أسهمت الطباعة وانتشار خدمات البريد في نقل بطاقات "الفالنتاين" من نطاق الرسائل الشخصية إلى منتجات تُصنَّع بكميات كبيرة، ما مهّد لظهور البُعد التجاري للمناسبة. ومع الثورة الصناعية، دخلت الشركات على الخطّ عبر تسويق الهدايا والزهور والحلوى، لترتبط رموز مثل "كيوبيد" والقلوب والورود الحمراء بذاكرة العيد، فيما أصبح اللون الأحمر رمزًا بصريًا يعكس العاطفة والحبّ في الثقافة الشعبية.
ورغم الانتقادات المتكرّرة لطابعه الاستهلاكي، ما زال العيد يحافظ على حضوره بوصفه مساحة تلتقي فيها التقاليد الدينية القديمة مع التحوّلات الاجتماعية الحديثة. وبين من يراه تعبيرًا صادقًا عن المشاعر، ومن يعتبره نتاجًا لثقافة تجارية متنامية، يبقى "الفالنتاين" فرصة لطيفة للالتفات لمن نحبّ وسط إيقاع الحياة السريع.



