دراسة من التخنيون تكشف آلية خفية قد تسرّع انتشار ألزهايمر في الدماغ

د. يارا إغبارية: "ما ينقذ الخلية العصبية على المدى القصير قد يتحول إلى عامل يسرّع انتشار ألزهايمر في الدماغ وفقا لما تم اكتشافه"

1 عرض المعرض
الزهايمر صورة تعبيرية
الزهايمر صورة تعبيرية
الزهايمر صورة تعبيرية
(Gemini)
كشفت دراسة علمية حديثة صادرة عن معهد التخنيون، ونُشرت في إحدى أعرق المجلات العلمية العالمية، عن آلية غير متوقعة في الدماغ قد تفسّر سبب الانتشار التدريجي لمرض ألزهايمر بين مناطق الدماغ المختلفة، محذّرة من أن بعض آليات الدفاع الخلوي التي وُجدت لحماية الخلايا العصبية قد تتحول، في ظروف معينة، إلى عامل يسرّع المرض بدل أن يحدّ منه.
د. يارا إغبارية: "ما ينقذ الخلية العصبية على المدى القصير قد يتحول إلى عامل يسرّع انتشار ألزهايمر في الدماغ وفقا لما تم اكتشافه"
اليوم السادس مع محمد أبو العز محاميد
09:58
وفي مقابلة مع راديو الناس، أوضحت الدكتورة يارا إغبارية، الباحثة في علم الدماغ والحاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة تل أبيب، أن الاكتشاف المركزي في هذا البحث يتمحور حول بروتين يُعرف باسم UBB Plus One، وهو بروتين يلعب دورًا محوريًا في تحديد مصير بروتينات أخرى داخل الخلية العصبية.
وقالت إغبارية: “الخلايا العصبية، كغيرها من خلايا الجسم، تحتوي على عدد هائل من البروتينات التي تحدد وظائفها. أحد هذه البروتينات يتمتع بأهمية خاصة، إذ يعمل كمؤشّر يقرر مصير بروتينات أخرى: هل ستبقى داخل الخلية، أم تتغير وظيفتها، أم تُنقل إلى مكان آخر، أو تُطرح خارج الخلية”.
وأضافت أن هذا البروتين معروف للعلم منذ سنوات، إلا أن الجديد في البحث هو فهم الخلل الذي يصيبه في حالة ألزهايمر، موضحة: “نحن نعلم أن بروتين UBB Plus One يتعرض لطفرة أو خلل في مرض ألزهايمر، ما يجعله لا يؤدي وظيفته بالشكل الطبيعي، وقد يؤدي ذلك إلى تراكمه داخل الخلية بدل قيامه بدوره التنظيمي”.

ليس بروتينًا معزولًا بل مفتاحًا للتدهور

وبيّنت الباحثة أن مرض ألزهايمر هو مرض تنكسي معقّد، يترافق مع ترسّب عدة بروتينات معروفة مثل بيتا أميلويد (A-Beta) وتاو (Tau)، مؤكدة أن خطورة UBB Plus One لا تكمن في كونه البروتين الوحيد المتراكم، بل في وظيفته الجوهرية.
وقالت: “ما يميّز هذا البروتين أنه مسؤول عن مراقبة بروتينات أخرى والمساهمة في تفكيك الترسّبات الضارة أو إخراجها من الخلية، في محاولة لإنقاذها”.
ووفقًا للدراسة، اكتشف الباحثون أن لهذا البروتين آليتين أساسيتين للمساعدة: الأولى، تحفيز تفكيك البروتينات التالفة داخل الخلية، والثانية، تشجيع إخراج البروتينات المعتلّة إلى خارج الخلية.
وأضافت إغبارية موضحة خطورة الاكتشاف: “من منظور الخلية الواحدة، قد يبدو إخراج البروتينات الضارة إلى الخارج أمرًا إيجابيًا، لأنه يخفف العبء عنها. لكن المشكلة أن هذه البروتينات، بعد خروجها، قد تنتقل إلى خلايا عصبية مجاورة”.

حلّ قصير المدى… وكارثة بعيدة المدى

وأشارت الباحثة إلى أن هذه الآلية قد تفسّر السلوك المعروف لمرض ألزهايمر، حيث يبدأ في منطقة محددة من الدماغ ثم ينتشر تدريجيًا إلى مناطق أخرى. وقالت في هذا السياق: “يمكن اعتبار هذه الآلية حلًا قصير المدى للخلية الواحدة، لكنها قد تتحول إلى كارثة على المدى البعيد، لأن انتقال البروتينات المعتلة بين الخلايا يزيد من انتشار المرض”.
وأضافت: “في ألزهايمر نلاحظ أن المرض يبدأ عادة في منطقة مرتبطة بتكوين الذكريات، ثم ينتشر داخل المنطقة نفسها، وفي مراحل متقدمة يمتد إلى مناطق أخرى من الدماغ، وهو ما يفسر اتساع الأعراض مع تقدم المرض”.

تفسير جديد لانتشار المرض

وحول ما إذا كان هذا الاكتشاف يفسر الانتشار التدريجي للمرض حتى بعد سنوات من بدايته، قالت إغبارية: “هذا التفسير قد يكون واحدًا من عدة تفسيرات محتملة. من المهم التأكيد أن أبحاث ألزهايمر اليوم تسير في مسارات متعددة ومتوازية، لكن هذه الدراسة تقترح زاوية جديدة ومثيرة للاهتمام لفهم كيفية انتشار المرض”.

آفاق للتشخيص المبكر والعلاج

وعن الانعكاسات الطبية للاكتشاف، أكدت الباحثة أن فهم آلية تطور المرض يُعد خطوة أساسية نحو التشخيص المبكر، موضحة: “عندما نفهم كيف يتطور المرض وكيف يؤثر هذا البروتين تحديدًا في مساره، قد نتمكن مستقبلًا من تشخيص ألزهايمر في مراحل مبكرة، ربما من خلال قياس مستويات هذا البروتين في الدم أو في السائل الدماغي الشوكي”.
وأضافت أن الأمل لا يقتصر على التشخيص فقط، بل قد يمتد إلى العلاج: “رغم وجود عدد كبير من الأدوية المقترحة لألزهايمر، فإن الغالبية العظمى منها لم تنجح حتى الآن في إبطاء الأعراض بشكل فعلي. هذا الاكتشاف قد يفتح بابًا جديدًا لتطوير علاجات مختلفة في المستقبل”.
وختمت إغبارية بالقول: “مرض ألزهايمر معروف منذ زمن طويل، ويُبحث على نطاق واسع حول العالم، لكنه لا يزال من أصعب الأمراض، إذ لا نملك اليوم وسيلة لمنعه بشكل كامل أو علاجه جذريًا. ومع ذلك، فإن مثل هذه الأبحاث تمنحنا أملًا حقيقيًا بفهم أعمق قد يغيّر طريقة تعاملنا مع المرض في السنوات القادمة”.
يُذكر أن هذا البحث يُعد إضافة نوعية إلى الجهود العالمية لفهم ألزهايمر، ويعزز فرضية أن المرض ليس مجرد تراكم بروتينات، بل نتيجة تفاعلات معقّدة داخل الخلايا العصبية، قد تتحول فيها آليات الحماية نفسها إلى أدوات لنشر المرض.