"الناصرة 2026": مخطط استراتيجي يضع الإنسان في المركز ويبحث عن استعادة حصانة المدينة

لقاءات مهنية ومشاركة جماهيرية واسعة لصياغة رؤية تخطيطية جديدة للناصرة، وسط معطيات تكشف أولوية المساحات الخضراء وجودة الحياة، وتحذيرات من الهجرة وتراجع الأمان 

1 عرض المعرض
اللجنة الشعبية الناصرة
اللجنة الشعبية الناصرة
اللجنة الشعبية الناصرة
(وفقا للمادة 27أ)
عقدت اللجنة الشعبية في الناصرة اجتماعًا مهنيًا أوليًا ضمن سلسلة لقاءات مخصصة لمناقشة "اري"، في إطار مسار يهدف إلى بلورة رؤية تخطيطية استراتيجية لمستقبل المدينة، بمشاركة الأهالي وأصحاب الاختصاص والمهنيين في مجالات التخطيط والاقتصاد والصحة والمواصلات.
ويأتي هذا المسار في ظل تحديات متراكمة تواجهها الناصرة، من بينها أزمة المواصلات، وضيق مسطحات البناء، وتراجع المساحات العامة والخضراء، وإهمال البلدة القديمة، إلى جانب أزمات العنف والأمان وتراجع قدرة المدينة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

مدينة هشة أمام الأزمات

د. عروة سويطات: الإنسان والمجتمع في مركز التخطيط
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
11:59
وقال مخطط المدن والباحث في كلية الهندسة المعمارية وتخطيط المدن في التخنيون وجامعة تافتس في بوسطن، الدكتور عروة سويطات، إن التخطيط الاستراتيجي للمدن يُفترض أن يرسم ملامح تطورها لعقود طويلة، مشيرًا إلى أن آخر مخطط هيكلي للناصرة صودق عليه عام 2009.
وأوضح سويطات أن التحليل التخطيطي والاجتماعي الذي أجراه الطاقم، بمشاركة السكان والمهنيين، أظهر أن الناصرة تعاني من قدر من "الهشاشة"، أي محدودية قدرتها على مواجهة الأزمات والتعافي منها.
وقال: "عندما تواجه المدينة أزمة مثل جائحة كورونا أو الحرب أو تفشي العنف، ينعكس ذلك بصورة مباشرة على الاقتصاد والشعور بالأمان والتماسك الاجتماعي وتطور المدينة". وأضاف أن التحدي الأساسي أمام المخططين يتمثل في بناء مدينة قادرة على الصمود والتعافي من الأزمات، ليس فقط على المستوى العمراني، وإنما اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وفي مجال المواصلات.
وتابع: "الفكرة الأساسية هي أن يكون التخطيط أداة لبناء حصانة المدينة، وأن يمنحها القدرة على مواجهة الأزمات والعودة إلى مسارها الطبيعي بعد كل ضربة".

الإنسان والمجتمع في مركز التخطيط

وشدد سويطات على أن تجاوز الأزمات يبدأ من اعتماد نهج تخطيطي يضع الإنسان والمجتمع في صلب جميع القرارات، بدل الاكتفاء بتوسيع مناطق البناء أو إقامة مشاريع تجارية ومكتبية.
وقال: "عندما نضع الإنسان والمجتمع في المركز، يصبح بالإمكان التعامل بصورة متكاملة مع قضايا السكن والمواصلات والاقتصاد والثقافة والمرافق العامة". وأضاف أن الخطة تبحث في قضايا لم تحظَ سابقًا بالاهتمام الكافي في تخطيط الناصرة والبلدات العربية، مثل التعافي الحضري، والحصانة المجتمعية، والعدالة في توزيع الموارد، وترميم المباني العامة، وإعادة تمكين البلدة القديمة.
وأشار إلى أن القلب التاريخي للمدينة والبلدة القديمة يمكن أن يشكلا مفتاحًا لتحول واسع، شرط أن يجري تطويرهما مع الحفاظ على الطابع التاريخي والهوية العربية الفلسطينية للناصرة.
وقال: "البلدة القديمة والمركز التاريخي ليسا عبئًا تخطيطيًا، بل هما فرصة اقتصادية وثقافية وتنافسية لا تتوفر في أي مدينة أخرى في المنطقة".

74% من السكان يريدون حدائق ومساحات خضراء

وكشف سويطات أن نحو 1000 شخص من مختلف أحياء الناصرة وفئاتها العمرية والاجتماعية شاركوا في استطلاع واسع حول أولويات السكان واحتياجاتهم.
وبحسب النتائج، فإن 74% من المشاركين قالوا إن أولويتهم تتمثل في توفير حدائق ومساحات خضراء وأماكن آمنة للعب الأطفال، بينما فضّل 6% فقط توسيع المنازل.
وقال سويطات: "هذه النتائج تُظهر أن السكان لا يضعون توسيع البيوت في مقدمة أولوياتهم، بل يريدون تحسين جودة حياتهم اليومية في الأحياء وفي المدينة عمومًا".
وأضاف أن هذا المعطى يفرض إعادة النظر في نماذج التجديد العمراني التقليدية، بحيث لا تقتصر على البناء المكثف، وإنما تشمل تطوير المساحات العامة والبيئة المحيطة بالمنازل.

"الحواكير" من مساحة للتلاقي إلى مصدر للخلافات

وأظهرت نتائج الاستطلاع أن 68% من المشاركين يرون أن المساحات المشتركة بين المنازل والجيران، المعروفة محليًا في الناصرة باسم "الحواكير"، تعاني من الإهمال وسوء التخطيط. كما قال نحو 20% من المشاركين إن غياب الصيانة والإدارة المناسبة لهذه المساحات يؤدي إلى خلافات وتوترات بين الجيران.
وأوضح سويطات أن هذه المساحات كانت تاريخيًا مكانًا للأفراح والأعراس والمناسبات الاجتماعية ولقاءات العائلات، وأسهمت في بناء النسيج الاجتماعي داخل الأحياء. وقال: "المساحات المشتركة كانت عنصرًا أساسيًا في بناء الثقة والتواصل بين السكان، لكنها تحولت بسبب عقود من الإهمال وسوء التخطيط إلى بؤر توتر وخلاف".
وأضاف أن أحد أهداف المخطط يتمثل في إعادة تأهيل هذه المساحات وتحويلها من جديد إلى أماكن تعزز التواصل المجتمعي وجودة الحياة.

البلدة القديمة مفتاح التطوير الاقتصادي

وبيّن سويطات أن غالبية المشاركين في الاستطلاع اعتبروا تطوير البلدة القديمة والمركز التاريخي والسوق أهم مدخل للنهوض الاقتصادي بالمدينة. وجاءت قطاعات الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة في مرتبة لاحقة، ثم الثقافة والترفيه، بينما لم تحظَ المكاتب والمراكز التجارية التقليدية بالأولوية نفسها.
وقال: "تعافي الناصرة يبدأ من تعافي قلبها التاريخي، لأن البلدة القديمة تمثل قيمة دينية وتاريخية وثقافية عالمية، وهي عنصر تنافسي لا يمكن لمدن أخرى في المنطقة أن توفره". وأضاف أن الحفاظ على أبناء وبنات الناصرة داخل مدينتهم يستوجب تطوير جودة الحياة والخدمات، وفي الوقت نفسه تعزيز نقاط القوة التاريخية والثقافية والاقتصادية الفريدة للمدينة.
وأشار إلى أن سكانًا انتقلوا أو يتوجهون إلى نوف هجليل يفعلون ذلك بحثًا عن جودة حياة أفضل، لكنهم يواصلون الارتباط بالناصرة بسبب العائلة والمدارس والمراكز الجماهيرية والسوق والبلدة القديمة.

وثيقة استراتيجية خلال عام ونصف

وأوضح سويطات أن المشروع لا يزال في مرحلة قراءة الوضع القائم، ووضع الرؤية والأهداف والمبادئ المركزية المستندة إلى مشاركة الجمهور والتحليل التخطيطي والاجتماعي.
ويشمل المسار لقاءات مع السكان والمهنيين في مجالات الصحة والاقتصاد والمواصلات والتخطيط، تمهيدًا لوضع بدائل تخطيطية ومعالجة المعضلات الأساسية التي تواجه المدينة. وقال: "الهدف هو أن تكون أصوات السكان في مركز التخطيط، وأن تنبع الحلول من داخل المدينة نفسها، لأننا لا نستطيع نسخ حلول جاهزة من حيفا أو تل أبيب وتطبيقها على الناصرة".
وأضاف أن العمل يهدف خلال عام ونصف إلى إنجاز وثيقة سياسة تخطيطية استراتيجية تشكل أساسًا لمخططات تفصيلية ومشاريع عمرانية مستقبلية.

اللجنة الشعبية: يجب أن يكون لأهالي المدينة صوت وتأثير

مهند أبو راس: يجب أن يكون لأهالي المدينة صوت وتأثير
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
04:52
من جانبه، قال عضو اللجنة الشعبية في الناصرة مهند أبو راس إن انخراط اللجنة في المشروع ينطلق من ضرورة مشاركة أبناء المدينة في كل مشروع يمس حاضر الناصرة ومستقبلها.
وقال: "كل مشروع يخص البلد يجب أن نكون حاضرين فيه، وأن يكون لنا صوت وتأثير، لأن هذه المدينة هي مدينتنا، ومن واجبنا أن نشارك في تطويرها".
وأشاد أبو راس بالطابع المهني والمجتمعي الذي يميز عمل الدكتور عروة سويطات، قائلًا إن النقاش لا يجري من زاوية تخطيطية بحتة، وإنما من شعور بالانتماء والمسؤولية تجاه المدينة. وأضاف: "هذا النهج يمنحنا قدرًا من الاطمئنان، خصوصًا في هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها الناصرة وسكانها".

تحذير من التفكير في مغادرة المدينة

وأشار أبو راس إلى معطيات قال إنها أظهرت أن نسبة كبيرة من السكان تفكر في مغادرة الناصرة، معتبرًا أن هذا المؤشر يستوجب تحركًا جماعيًا من مؤسسات المدينة وأهلها. وقال: "التفكير في مغادرة المدينة مؤشر خطير، ويجب أن يدفعنا إلى تجنيد جميع الطاقات لمعالجة الأسباب التي تجعل السكان يفكرون في الرحيل".
وأكد أن مطالب السكان ليست معقدة أو مبالغًا فيها، بل تتركز في أبسط مقومات الحياة اليومية، وفي مقدمتها الأمن والأمان، وحديقة قريبة، ومكان آمن يلعب فيه الأطفال، وبيئة سكنية تحافظ على الكرامة وجودة الحياة.

الحفاظ على الهوية إلى جانب التطوير

وشدد أبو راس على أن الناصرة تحتاج إلى مسار تطوير يحافظ على تاريخها وهويتها وتراثها ومبانيها القديمة وطابعها الديني، وفي الوقت نفسه يستجيب لاحتياجات السكان المتجددة.
وقال: "نحن بحاجة إلى تجديد عمراني يحافظ على الهوية، لا إلى مشاريع تمحو طابع المدينة أو تفصلها عن تاريخها". وأضاف أن إعادة تأهيل المساحات المشتركة و"الحواكير" تمثل جزءًا من إعادة بناء العلاقات الاجتماعية داخل الأحياء، بعد أن تحولت نتيجة الإهمال وسوء التخطيط إلى مصدر للتوتر والتفكك. وتابع: "هذه المساحات كانت في الماضي أماكن للقاء الناس في أفراحهم وأحزانهم، ويجب أن تعود لتكون مساحة للتواصل والترابط بدل أن تتحول إلى سبب للخلاف".
ويأمل القائمون على المبادرة أن تسهم اللقاءات المهنية واستطلاعات الرأي ومشاركة الأهالي في تحويل "مخطط الناصرة 2026" إلى رؤية قابلة للتنفيذ، تُحسن جودة الحياة وتحافظ على هوية المدينة وتمنح سكانها فرصًا حقيقية للبقاء والتطور فيها.