الصحة النفسية على الشاشة في رمضان وعي أم استعراض؟

ربّما لا تغيّر الدراما الواقع، لكنّها بلا شك تفتح مساحة أوسع للنقاش حول موضوع كان يُخفى طويلًا خلف الكواليس؛ فحين تدخل جلسة العلاج إلى المشهد الدرامي، لا تتغيّر الحبكة فحسب، بل تتغيّر أيضًا الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى الآخرين

1 عرض المعرض
الصحة النفسية على الشاشة في رمضان وعي أم استعراض؟
الصحة النفسية على الشاشة في رمضان وعي أم استعراض؟
الصحة النفسية على الشاشة في رمضان وعي أم استعراض؟
(.)
لم تعد جلسة العلاج النفسي في الدراما العربية مشهدًا استثنائيًا أو تفصيلة عابرة، بل أصبحت في موسم رمضان 2026 جزءًا من نسيج الحكاية نفسها. فبين قصص الشهرة والوحدة في "اتنين غيرنا"، واضطرابات السلوك في "عين سحرية"، والأزمات العائلية في "كان ياما كان"، يبدو أنّ السرد الدرامي بات أكثر اقترابًا من قضايا كانت تُطرح سابقًا بحذر، حتى صار يتعامل مع الصحة النفسية بوصفها جزءًا من الواقع اليومي، لا مجرّد حبكة جانبية. في "اتنين غيرنا"، تتّخذ العيادة النفسية موقعًا مفصليًا في تطوّر العلاقة بين الشخصيات، حيث تتقاطع حياة بطلة العمل مع عيادة الطبيب النفسي بعد تصاعد الضغوط المرتبطة بالشهرة والوحدة ومحاولة الانتحار، ضمن معالجة تسلّط الضوء على أثر الحياة العامة في التوازن النفسي للفرد. أمّا "عين سحرية"، فيقترب من اضطرابات سلوكية مثل هوس السرقة، ويطرح فكرة اللجوء إلى العلاج النفسي بدل الاكتفاء بالحلول القانونية أو الاجتماعية التقليدية. وفي "كان ياما كان"، تظهر الجلسات النفسية كمساحة لطرح أسئلة عن الاكتئاب وتداعيات الخلافات الأسريّة، إلى جانب أثر الأزمات العائلية على الأبناء، ضمن معالجة درامية تركّز على الجانب الإنساني بعيدًا عن الخطابات المباشرة أو الوعظية.
من صورة نمطية إلى معالجة أكثر إنسانية ولا يأتي هذا الحضور المتزايد عبثًا؛ إذ تشير دراسات حديثة حول تمثيل الصحة النفسية في الدراما إلى انّ الأعمال التلفزيونية أصبحت من أهمّ المصادر التي تشكّل وعي الجمهور بالعلاج النفسي وصورة المُعالج. فبعد سنوات قُدِّمت فيها هذه الشخصية بصورة كاريكاتيرية أو مبالغ فيها أحيانًا، تظهر اتّجاهات حديثة نحو تقديم المُعالِج والمُعالَج ضمن إطار إنساني واقعي ومهني، مع التركيز على الحوار والتعاطف واحترام الخصوصية بدل المبالغة الدرامية. كما أظهرت أبحاث تناولت المسلسلات المصرية الحديثة أنّ تصوير الشخصيات التي تعيش اضطرابات نفسية لم يعد مقتصرًا على الحالات القصوى أو المأساوية، بل بات يقترب من الحياة اليومية وتحدّياتها الصغيرة؛ مع إبراز قدرتها على الاندماج الاجتماعي والتفاعل الطبيعي بدل حصرها في قوالب سلبية. وبيّنت نتائج دراسات ميدانية أنّ هذا النوع من المعالجة يسهم في زيادة التعاطف مع المرضى النفسيين وتصحيح بعض المفاهيم المغلوطة، لا سيّما عندما تُعرض جلسات العلاج بوصفها مساحة آمنة للحوار، لا علامة على الضعف.
بين الدراما والمسؤولية الثقافية – أين يقف الخط الفاصل؟ بحسب الدراسات، قد يسهم التمثيل الفنّي في كسر الوصم الاجتماعي عندما يُقدَّم بصورة دقيقة، لكنّه قد يرسّخ أيضًا صورًا نمطية عندما يعتمد على المبالغة أو يربط بين المرض النفسي والعنف مثلًا. لذلك، ورغم هذا التطوّر، تشير الأبحاث إلى الحاجة لمزيد من التوازن بين الدراما والواقعية، وإلى الاستعانة بمتخصّصين عند تناول قضايا نفسيّة حسّاسة. وتُظهر الإحصاءات العالمية أن أكثر من مليار شخص عاشوا مع اضطرابات نفسية أو سلوكية عام 2021، فيما يُعدّ الانتحار أحد أبرز أسباب الوفاة بين الشباب عالميًا. هذه المعطيات تجعل تناوُل هذه القضايا على الشاشة مسؤوليّة تتجاوز حدود الترفيه وتفرض على صنّاع العمل ضرورة إشراك مختصّين نفسيين في مراحل تطوير النصوص، وإعطاء مساحة أكبر لعرض مسارات العلاج بشكلٍ واقعي بدل الاكتفاء بالحلول الدرامية السريعة.
تحوّل في المزاج العام للدراما العربية ربّما لا يمكن القول إنّ الدراما العربية تغيّرت بالكامل، لكنّ المؤشّرات الحالية توحي بأنّ المزاج العام أصبح أكثر تقبّلًا لفكرة الهشاشة النفسية بوصفها جزءًا طبيعيًا من التجربة الإنسانية. فالشخصيات لم تعُد تُقدَّم كنماذج مثالية، بل كأفراد عاديّين يمرّون بلحظات ضعف وتردّد ويواجهون ضغوطًا نفسيّة تتعلّق بالأسرة والعمل والعلاقات وما إلى ذلك. وحين تتقاطع هذه القضايا مع موضوعات اجتماعية مثل الطلاق وضغط الشهرة والعزلة، تصبح الدراما أقرب إلى واقع جمهورها وأسئلته اليومية. وربّما لا تغيّر الدراما الواقع، لكنّها بلا شك تفتح مساحة أوسع للنقاش حول موضوع كان يُخفى طويلًا خلف الكواليس؛ فحين تدخل جلسة العلاج إلى المشهد الدرامي، لا تتغيّر الحبكة فحسب، بل تتغيّر أيضًا الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى الآخرين.