من يسيطر على مضيق هرمز؟ أرقام متضاربة بين واشنطن وطهران

 ترامب أعلن أن مضيق هرمز أصبح "منطقة أميركية جديدة"، بحسب تعبيره، وأنه "مفتوح ويعمل". في المقابل، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن المضيق "سيبقى مغلقًا" إلى حين رفع الحصار الأميركي والاستجابة للمطالب الإيرانية

قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن مضيق هرمز فُتح أمام حركة الملاحة منذ الليلة الماضية، مؤكدًا عبور عدد كبير من السفن واستمرار تدفق النفط عبر الممر البحري الاستراتيجي، في وقت لا تزال فيه الروايات الأميركية والإيرانية والبيانات الصادرة عن شركات تتبع الملاحة متباينة بشأن الوضع الفعلي في المضيق.
وجاءت تصريحات ترامب خلال مشاركته في مراسم تدشين مهبط للمروحيات في البيت الأبيض، حيث قال إن "مضيق هرمز فُتح الليلة الماضية وعبرت من خلاله سفن كثيرة"، مضيفًا أن الولايات المتحدة باتت، بحسب تعبيره، تملك "سيطرة كاملة" على المضيق.
وأشار ترامب إلى أن إيران لا تزال قادرة على تنفيذ ما وصفه بـ"المضايقات"، بما في ذلك إطلاق النار من حين إلى آخر باتجاه طائرات مسيّرة، لكنه أكد أن ذلك لم يمنع استمرار حركة السفن وخروج كميات كبيرة من النفط خلال الأسبوعين الماضيين. وقال: "الوضع لن يكون مثاليًا، لكن كميات كبيرة من النفط تخرج من هناك".
وفي ما يتعلق بإمكانية استئناف المفاوضات مع إيران، لم يستبعد ترامب العودة إلى طاولة الحوار في مرحلة لاحقة، قائلًا: "ربما في مرحلة ما، لكنني أعتقد أن الوضع حاليًا جيد جدًا".
وتأتي تصريحات ترامب في ظل تضارب واضح بشأن حقيقة الوضع في مضيق هرمز. ففي حين تؤكد واشنطن أن المضيق مفتوح وأن حركة السفن وتجارة النفط بدأت بالتعافي، تصر طهران على أنه لا يزال مغلقًا. وكان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف قد أعلن أن المضيق "سيبقى مغلقًا" إلى حين رفع الحصار الأميركي والاستجابة للمطالب الإيرانية.
بيانات الملاحة ترسم صورة مختلفة
ورغم تأكيدات واشنطن، تشير بيانات شركات دولية متخصصة في تتبع حركة الملاحة إلى أن النشاط التجاري عبر المضيق لا يزال أقل بكثير من مستوياته التي سبقت الحرب.
ووفق بيانات شركة الاستخبارات البحرية "Windward"، عبرت المضيق، الثلاثاء، 13 سفينة فقط، مقارنة بنحو 130 سفينة كانت تعبره يوميًا قبل الحرب، فيما بلغ متوسط حركة السفن خلال الأسبوع الأخير نحو 11 سفينة يوميًا. وأظهرت بيانات شركة "Kpler" المتخصصة في تتبع وتحليل حركة الملاحة أرقامًا مماثلة.
وتقدر شركات التتبع أن السفن التي تعبر المضيق تنقل نحو 4 ملايين برميل من النفط يوميًا، في حين تغادر نحو 7 ملايين برميل إضافية منطقة الشرق الأوسط عبر طرق بديلة.
في المقابل، تقدم الإدارة الأميركية أرقامًا أعلى بكثير. وكان وزير الطاقة الأميركي كريس رايت قد قال إن نحو 9 ملايين برميل من النفط تعبر مضيق هرمز يوميًا، وإن إجمالي الكميات الخارجة من المنطقة يبلغ نحو 15 مليون برميل يوميًا، ويتجاوز 20 مليون برميل في بعض الأيام.
وأكدت وزارة الطاقة الأميركية أنها، بالتنسيق مع الجيش الأميركي، تمتلك ما وصفته بـ"أفضل البيانات المتاحة" بشأن حركة النفط والمنتجات النفطية الخارجة من الخليج.
لكن مسؤولًا في "Kpler" قال إنه لا يمكن التوفيق بين الأرقام الأميركية وما ترصده الشركة، التي تعتمد في بياناتها على الأقمار الصناعية وآلاف أجهزة الإرسال. وفي الوقت نفسه، أقرت الشركة بأن بعض السفن قد يكون من الصعب تعقبها عندما تقوم بإطفاء أجهزة الإرسال الخاصة بها.
هل تراجعت السيطرة الإيرانية؟
وبالتوازي مع الخلاف حول حجم حركة السفن، ظهرت مؤشرات على تغير موازين السيطرة داخل المضيق. ونقلت شبكة "CNN" عن مسؤول في "Kpler" قوله إن المؤشرات الأخيرة تدل على أن إيران "فقدت على الأقل جزءًا من سيطرتها على مضيق هرمز".
وبحسب الشركة، فإن أكثر من 80% من عمليات عبور السفن خلال الأسبوعين الماضيين جرت عبر المسار العُماني، الذي تعارض إيران استخدامه، إذ يقلل من قدرتها على التحكم بحركة السفن وفرض الرسوم عليها.
كما أفادت "CNN" بأن البحرية الأميركية تسيّر دوريات في المضيق، فيما كان ترامب قد أعلن في وقت سابق أن جميع الألغام البحرية في المنطقة جرى تعطيلها.
هرمز وأسعار النفط
ويكتسب تضارب الروايات أهمية خاصة في ظل التأثير المباشر لحركة الملاحة في مضيق هرمز على أسواق الطاقة العالمية. ويبلغ سعر برميل النفط حاليًا نحو 92 دولارًا، مقارنة بنحو 120 دولارًا عند ذروة الحرب ونحو 73 دولارًا عشية اندلاعها.
وفي حال كانت البيانات الأميركية دقيقة، فإن ذلك قد يشير إلى نجاح واشنطن في استعادة جزء كبير من حركة الملاحة وتدفقات النفط عبر المضيق. أما إذا كانت تقديرات شركات التتبع أقرب إلى الواقع، فإن النشاط الملاحي لا يزال محدودًا بصورة كبيرة مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.
وفي ظل هذا التفاوت الكبير في الأرقام وغياب بيانات مستقلة وحاسمة، تبقى الصورة بشأن حجم حركة الملاحة والسيطرة الفعلية على مضيق هرمز غير محسومة.
تصعيد ميداني بالتوازي مع معركة الروايات
ويأتي الجدل حول السيطرة على المضيق بالتزامن مع تصعيد في الهجمات الإيرانية ضد السفن في المنطقة. وبحسب التقارير، نفذ الحرس الثوري الإيراني، الثلاثاء، ثلاث هجمات على الأقل في منطقة مضيق هرمز، ما أدى إلى تفعيل منظومات الدفاع الجوي في الإمارات، فيما قُتل أحد أفراد طاقم سفينة قرب عُمان.
كما أعلنت الإمارات أن إيران استهدفت سبع سفن إماراتية خلال الشهر الجاري.
وفي المقابل، لم ترد الولايات المتحدة عسكريًا على الهجمات الإيرانية الأخيرة، ولم تنفذ، وفق التقارير، ضربات داخل إيران منذ نهاية تموز/يوليو، وسط توجه أميركي في المرحلة الحالية لتجنب توسيع المواجهة العسكرية ومواصلة الضغط الاقتصادي على طهران.
وبين تأكيد ترامب أن المضيق "فُتح" وإصرار إيران على استمرار إغلاقه، تبقى حركة السفن الفعلية والأرقام المتباينة محورًا أساسيًا في تحديد ما إذا كان مضيق هرمز قد عاد بالفعل إلى نشاطه الطبيعي، أم أن الممر الاستراتيجي لا يزال بعيدًا عن مستويات الملاحة التي سبقت الحرب.