لم يعد مشهد الأطفال والمراهقين داخل متاجر مستحضرات التجميل الفاخرة أمراً نادراً، بل أصبح ظاهرة عالمية تُعرف اليوم باسم “أطفال سيفورا” أو Sephora Kids، في إشارة إلى الفتيات والفتيان الذين تتراوح أعمارهم بين 9 و14 عاماً ويقبلون بشكل متزايد على شراء منتجات العناية بالبشرة ومستحضرات التجميل المخصصة أساساً للبالغين.
وخلال الأشهر الأخيرة، أثارت هذه الظاهرة جدلاً واسعاً بين الأطباء وخبراء الصحة النفسية والأهالي، وسط تحذيرات من التأثيرات الصحية والنفسية والاجتماعية لهذا “الهوس المبكر بالجمال”، الذي يغذيه بشكل أساسي تطبيق TikTok ومنصات التواصل الاجتماعي الأخرى.
من هنّ “أطفال سيفورا”؟
يشير المصطلح إلى الأطفال والمراهقين الصغار الذين يتابعون مؤثرات الجمال وروتينات العناية بالبشرة عبر الإنترنت، ثم يتوجهون إلى متاجر Sephora ومتاجر التجميل لشراء منتجات باهظة الثمن، مثل السيروم، والريتينول، وأحماض التقشير، وكريمات مكافحة التجاعيد.
وتُظهر تقارير حديثة أن الأطفال تحت سن 18 أنفقوا مليارات الدولارات على مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة خلال السنوات الأخيرة، مدفوعين بمحتوى “روتين العناية” المنتشر على مواقع التواصل.
تيك توك.. المحرك الأكبر للظاهرة
يرى خبراء أن منصات التواصل الاجتماعي لعبت الدور الأكبر في انتشار الظاهرة، حيث بات الأطفال يشاهدون يومياً مقاطع بعنوان “استعدوا معي” أو “مشترياتي من سيفورا”، يقدمها مؤثرون ومؤثرات أصغر سناً، ما خلق شعوراً بأن استخدام هذه المنتجات جزء طبيعي من الحياة اليومية.
كما أظهرت دراسات أن غالبية الأطفال والمراهقين يتابعون محتوى الجمال والعناية الشخصية عبر الإنترنت، وأن عدداً كبيراً منهم يطلب شراء المنتجات التي يشاهدها مباشرة على المنصات الرقمية.
أطباء الجلد يحذرون: هذه المنتجات ليست للأطفال
ورغم الطابع “اللطيف” الذي تبدو عليه هذه الظاهرة، يحذر أطباء الجلد من استخدام الأطفال لمستحضرات تحتوي على مواد فعالة قوية مثل الريتينول، وأحماض التقشير الكيميائي، وفيتامين C المركز، لأنها قد تضر بالبشرة الصغيرة والحساسة.
وأكد أطباء جلدية أن هذه المنتجات صُممت أساساً لعلاج علامات التقدم في السن أو مشاكل جلدية محددة لدى البالغين، وليس للأطفال الذين لا تزال بشرتهم في مرحلة النمو.
وبحسب الخبراء، فإن الإفراط في استخدام هذه المواد قد يؤدي إلى التهيج، والحساسية، وجفاف الجلد، وحتى تطوير مشكلات جلدية طويلة الأمد.
“هوس البشرة المثالية” يثير القلق
ولا تتوقف المخاوف عند الجانب الصحي فقط، إذ يحذر مختصون نفسيون من أن التركيز المبالغ فيه على “البشرة المثالية” في سن مبكرة قد يؤثر سلباً على ثقة الأطفال بأنفسهم وصورتهم الذاتية.
وظهر مؤخراً مصطلح “Cosmeticorexia” لوصف الهوس المفرط بالعناية بالبشرة والسعي إلى “الكمال الجمالي”، خاصة بين الأطفال والمراهقين المتأثرين بالمحتوى الرقمي.
ويرى مختصون أن هذا النوع من المحتوى قد يدفع الأطفال إلى الاعتقاد بأنهم بحاجة دائمة إلى “الإصلاح” أو التغيير ليصبحوا أكثر جمالاً، ما قد يؤدي إلى القلق، وضعف تقدير الذات، وربما اضطرابات مرتبطة بصورة الجسد في المستقبل.
صناعة التجميل تستهدف الجيل الأصغر
في المقابل، بدأت شركات التجميل والعناية بالبشرة في التكيف مع هذا التحول، عبر إطلاق منتجات بتغليف ملون وتصاميم جذابة تستهدف الفئات العمرية الصغيرة، مع التركيز على كلمات مثل “لطيف”، “طبيعي”، و”آمن للأطفال”.
لكن منتقدين يعتبرون أن هذا التوجه التجاري يستغل قابلية الأطفال للتأثر والإعلانات الرقمية لتحقيق أرباح ضخمة، في وقت لا يملك فيه الصغار القدرة الكافية على تقييم المخاطر الصحية أو فهم الرسائل التسويقية الموجهة إليهم.
ما الذي يحتاجه الأطفال فعلاً؟
ويجمع معظم أطباء الجلد على أن الأطفال والمراهقين لا يحتاجون إلى روتينات عناية معقدة، وأن الأساس يكمن في استخدام غسول لطيف، ومرطب مناسب، وواقي شمس عند الحاجة.
أما المنتجات المضادة للتجاعيد أو الغنية بالمكونات الكيميائية القوية، فيُفضل تجنبها تماماً في هذه الأعمار، إلا في حالات طبية خاصة وتحت إشراف مختصين.
ظاهرة مرشحة للتوسع
ويرى مراقبون أن “أطفال سيفورا” لم يعودوا مجرد موضة عابرة، بل يمثلون تحولاً ثقافياً واقتصادياً جديداً في عالم الجمال، مع دخول جيل “ألفا” بقوة إلى سوق مستحضرات التجميل والعناية الشخصية.
لكن في المقابل، تتزايد الدعوات إلى وضع ضوابط أو توعية أكبر لحماية الأطفال من الضغوط الجمالية المبكرة، وإعادة تعريف مفهوم العناية بالنفس بعيداً عن الاستهلاك المفرط والهوس بالمظهر الخارجي.

