لم يعد الوصول إلى المستهلك العربي في إسرائيل مسألة ترجمة إعلان من العبرية إلى العربية أو تخصيص ميزانية إضافية للإعلام العربي، إذ يشير تقرير تسويقي إلى أن فعالية الحملات باتت مرتبطة بدرجة أكبر بفهم طبيعة المجتمع العربي واختلافاته الداخلية، وبالطريقة التي تخاطب بها العلامة التجارية جمهورها.
ويعرض التقرير، المنشور كمادة تسويقية مقدمة من شركة "Lines Communications"، رؤية تعتبر أن إحدى أبرز مشكلات الحملات الموجهة للمجتمع العربي تتمثل في التعامل معه باعتباره جمهورًا متجانسًا، رغم الاختلافات الاجتماعية والثقافية والدينية والجغرافية بين المدن والقرى والمناطق والتجمعات المختلفة.
فالحملة التي تحقق تجاوبًا في الناصرة، وفق هذه المقاربة، ليست بالضرورة ملائمة للجمهور في رهط، كما أن خطابًا موجهًا إلى الشباب في الجليل قد لا يكون مناسبًا للعائلات في منطقة المثلث.
من الترجمة إلى بناء حملة من داخل المجتمع
يشير التقرير إلى أن عددًا من الشركات لا يزال يبدأ حملته الموجهة للجمهور العربي من حملة أُعدت أصلًا باللغة العبرية، ثم يعمل على ترجمتها وتكييف بعض تفاصيلها.
لكن هذا النموذج، بحسب معدّي التقرير، لا يأخذ بالضرورة في الاعتبار أن الاختلاف لا يتعلق باللغة فقط، بل بطريقة التواصل والقيم الاجتماعية والعائلية والعادات الاستهلاكية ومستوى الثقة بالعلامة التجارية.
وتكمن المشكلة أيضًا في بناء استراتيجيات تسويقية استنادًا إلى صورة عامة جدًا عن المجتمع العربي، من دون دراسة أنماط الاستهلاك المحلية أو الاختلافات بين الفئات العمرية والمناطق وأنماط الحياة.
وقد تنفق شركات مبالغ كبيرة على الإعلان، لكنها تختار منصات غير مناسبة أو تعتمد رسائل لا تخلق شعورًا بأن المنتج أو العلامة التجارية يتحدثان فعلًا إلى الجمهور المستهدف.
الثقة قبل المنتج أحيانًا
ويضع التقرير عنصر الثقة في مركز العلاقة بين الشركات والمستهلك العربي، معتبرًا أن "الطريقة التي تتحدث بها العلامة التجارية لا تقل أهمية عن المنتج نفسه".
فالجمهور، وخصوصًا الشباب، يستطيع وفق التقرير التمييز سريعًا بين حملة صُممت انطلاقًا من معرفة حقيقية باحتياجاته، وبين حملة تحاول فقط استخدام اللغة العربية لإظهار القرب منه.
ويشمل التكيف الثقافي، وفق هذه الرؤية، أكثر من اختيار الكلمات؛ إذ يمتد إلى الشخصيات المشاركة في الإعلان، ومكان التصوير، والأسلوب البصري، والقيم التي تبرزها الرسالة وطريقة مخاطبة الأسرة أو الفرد.
تجربة فتح الحسابات المصرفية بالعربية
ويعرض التقرير حملة لبنك "مركنتيل" خلال عام 2026 كنموذج على هذا النوع من التسويق. وبحسب المادة، أجرى مكتب "Lines" أبحاثًا واختبارات قبل إطلاق حملة تستهدف زيادة فتح الحسابات المصرفية رقميًا من دون زيارة الفرع، وتوصل إلى أن اللغة تمثل أحد العوائق أمام بعض الشباب العرب الراغبين باستخدام الخدمة الرقمية.
وعلى إثر ذلك، أطلق البنك واجهة باللغة العربية لفتح الحسابات، وبُنيت الحملة حول فكرة "بالعربية نفتح حسابًا مصرفيًا". ولم تقتصر الحملة، بحسب التقرير، على الإعلانات التقليدية، بل تضمنت نشاطًا رقميًا موجهًا إلى الشباب، والاستعانة بمؤثرين محليين وتطوير محتوى أقرب إلى لغة شبكات التواصل وأقل اعتمادًا على الخطاب المصرفي التقليدي.
وتقول المادة التسويقية إن الحملة حققت ارتفاعًا في التعرض وفتح الحسابات بين الشباب العرب، إلا أن النص المنشور لا يعرض أرقامًا تفصيلية مستقلة تتيح قياس حجم هذه الزيادة أو مقارنتها بحملات أخرى.
ليس هناك "مستهلك عربي" واحد
ومن أبرز الاستنتاجات التي يطرحها التقرير ضرورة الانتقال من فكرة "الحملة للمجتمع العربي" إلى حملات تستهدف مجموعات محددة داخله. فالعمر ومكان السكن ونمط الحياة والاستخدام الرقمي والوضع العائلي وغيرها من العوامل يمكن أن تغير الرسالة والمنصة الأكثر فاعلية.
وبدل محاولة مخاطبة الجميع بإعلان واحد، يرى معدو التقرير أن تحديد شريحة أصغر بدقة قد يكون أكثر تأثيرًا من حملة واسعة ذات خطاب عام.
ويعني ذلك، على سبيل المثال، أن حملة تستهدف طلاب الجامعات يمكن أن تختلف جذريًا عن تلك الموجهة إلى أسر شابة، حتى لو كان المنتج نفسه.
المؤثرون والمنصات الرقمية في الواجهة
كما يشدد التقرير على تغير خريطة الوسائل الإعلانية، بحيث لم تعد وسائل الإعلام التقليدية وحدها كافية للوصول إلى بعض الفئات. ويشير إلى أهمية الجمع بين الإعلام التقليدي، والمحتوى القصير في شبكات التواصل، والمؤثرين المحليين، والمنصات الرقمية والمجموعات المجتمعية.
ويُعزى ذلك إلى أن الشخصيات القادمة من داخل المجتمع قد تمتلك قدرة أكبر على خلق شعور بالمصداقية والقرب مقارنة برسائل إعلانية مركزية تنتجها العلامة التجارية مباشرة.
لكن نجاح هذا النموذج يبقى مرتبطًا، وفق التقرير نفسه، بمدى ملاءمة المؤثر والجمهور والرسالة، لا بمجرد الاستعانة بشخصية معروفة.
سوق استهلاكية وفرصة نمو
ويخلص التقرير إلى أن الشركات التي تنظر إلى المجتمع العربي باعتباره سوقًا بحاجة فقط إلى "نسخة عربية" من نشاطها العام قد تفوّت جزءًا من إمكاناته التجارية. وفي المقابل، يرى معدوه أن الاستثمار في البحث وفهم المستهلك، والتقسيم الدقيق للجمهور، وإزالة العوائق العملية مثل اللغة، وبناء علاقة طويلة الأمد يمكن أن يحول المجتمع العربي إلى سوق نمو مهم للعلامات التجارية.
ويعيد هذا الطرح النقاش إلى مسألة أوسع في سوق الإعلان: هل تخاطب الشركات المجتمع العربي فعلًا، أم أنها ما تزال تخاطب صورة عامة عنه؟


