في ظلّ الواقع المضطرب الذي نعيشه، ومع تكرار الحروب والتوتّرات في المنطقة، يبقى الأطفال في صدارة القلق: ماذا نقول لهم؟ وكيف نتعامل مع أسئلتهم البريئة؟ وكيف يمكن لنا، كأهل، أن نحتضن مشاعر قد تكون أكبر من أعمارهم؟
فالطفل، بطبيعته، يرى في والديه ملاذًا للأمان والطمأنينة؛ يراقب وجوههم، ويصغي إلى نبرة أصواتهم وطريقة حديثهم عن العالم من حوله، ويستمدّ منهم إحساسه بالاستقرار. لكن في زمن تتدفّق فيه الأخبار القاسية والصور الصادمة عبر الشاشات والهواتف، لم يعد من السهل إبقاء الأطفال بعيدين عمّا يحدث. فهم يسمعون ويرون ويشعرون، حتى وإن ظننا أنهم لا ينتبهون.
ولهذا يؤكّد خبراء الصحة النفسية، أنّ الطريقة التي نتحدّث بها مع أطفالنا عن الحروب والأزمات قد تصنع فرقًا حقيقيًّا؛ فالكلمات التي نختارها، وطريقة الإصغاء إلى مخاوفهم، والمساحة التي نمنحها لمشاعرهم – كلّها عناصر تساعد الطفل على فهم ما يجري حوله، من دون أن يفقد إحساسه بالطمأنينة.
في هذا السياق، تقول الأخصائية النفسية ملك الياس في حديثها لراديو الناس، انّ محاولة إخفاء حقيقة الحرب عن الأطفال مهمّة شبه مستحيلة، حتى لو أراد الأهل ذلك. فالحروب، كما توضّح، لا تبقى خارج أبواب البيوت، بل تتسلّل سريعًا إلى تفاصيل الحياة اليومية: تتبدّل الخطط فجأة، تتوقّف المدارس، ويجد الناس أنفسهم مضطرّين للبقاء في المنازل أو الالتزام بإجراءات احترازية لم تكن جزءًا من حياتهم اليومية من قبل.
وترى الياس أنّ هذه التغييرات المفاجئة لا تمرّ على الأطفال مرورًا عابرًا؛ فالطفل، بطبيعته، يلاحظ ما يجري حوله، ويرصد التوتّر في أصوات الكبار وتعابير وجوههم، إضافةً إلى انّه يسمع صافرات الإنذار ويرى التغيّرات التي طرأت على حياته اليومية. لذلك، فإنّ تجاهل الحديث عمّا يحدث لا يحمي الطفل بالضرورة، بل قد يتركه في حالة من البلبلة والارتباك، وربّما يكون أثر ذلك أشدّ من معرفة الحقيقة.
ولهذا تشدّد الأخصائية النفسية على أنّ الحديث مع الأطفال عمّا يجري حولهم ليس تفصيلًا ثانويًّا، بل خطوة أساسية تساعدهم على فهم التغيّرات التي طرأت على حياتهم. فحين يدرك الطفل لماذا توقّفت المدرسة فجأة، ولماذا تغيّر روتين العائلة أو فُرضت تعليمات جديدة للسلامة، يصبح ما يحدث حوله أقلّ غموضًا، وأكثر قابلية للفهم والتقبّل.
كيف نشرح الحرب للأطفال؟
عند فتح الحديث حول الحرب، تنصح الياس بالبدء بتفسير مبسّط يتناسب مع عمر الطفل. فبالنسبة للأطفال الأصغر سنًا، يمكن تشبيه ما يحدث بخلافات تقع أحيانًا بين الناس؛ والقول بأنّ الدول، مثل الأفراد، قد تختلف وتتشاجر لأنها غير متّفقة على أمور معيّنة، وهو ما قد يؤدي أحيانًا إلى اندلاع الحروب.
أمّا للأطفال الأكبر سنًا، فيمكن تقديم شرح أوفى قليلًا، يوضح أنّ بعض الدول تحاول حلّ خلافاتها بالقوّة، بحيث يحاول طرف أن يتغلّب على الآخر لفرض شروطه، فيصبح اندفاعيًّا. وفي مثل هذه الحالات، قد تتدخّل أطراف أخرى لمحاولة التهدئة أو "المصالحة".
وتشير الياس إلى أنّ استخدام أمثلة من الحياة اليومية قد يساعد الأطفال على فهم الفكرة بصورة أقرب إلى عالمهم. أمّا المراهقون، فعادةً ما يكونون قادرين على استيعاب الخلفيات التاريخية والسياسية بدرجة أكبر، ما يتيح حوارًا أكثر وضوحًا وعمقًا.
الصدق يطمئن الطفل
إلى جانب ذلك، توضح الأخصائية النفسية أنّ الخوف والقلق اللذين يشعر بهما الأطفال في أوقات الحرب ليسا إلّا ردة فعل طبيعية لوضع غير طبيعي؛ لذلك من المهم تقديم إجابات صادقة وواضحة للأطفال، لأنّ ذلك يساعد على بناء الثقة بينهم وبين أهلهم. فالطفل الذي يكتشف لاحقًا أنّ معلومات مهمّة أُخفيت عنه، سيتساءل عمّا إذا كان الأمر أخطر ممّا قيل له، فيشعر بقلق أكبر.
لذلك، إذا سأل الطفل مثلًا عمّا إذا كانت الحرب قد تصل إلى المكان الذي يعيش فيه، يمكن الإجابة بصدق، مع التأكيد في الوقت نفسه على أنّ هناك إجراءات تُتّخذ لحماية الناس: شرح دور صافرات الإنذار والملاجئ والأماكن الآمنة، وطمأنة الطفل بأنّ العائلة تتّبع التعليمات اللازمة للحفاظ على سلامتها.
"الأهل مرآة لأبنائهم"
وفي الوقت نفسه، لا ترى الياس بأسًا في أن يعترف الأهل لأطفالهم بأنهم يشعرون بشيء من القلق أيضًا، شرط أن يتمّ ذلك بطريقة متوازنة لا تنقل الذعر إليهم. فالأطفال، كما تقول، يلتقطون مشاعر الكبار بسهولة، ويكوّنون من خلالها فهمهم لطبيعة الخطر من حولهم؛ لذلك يصبح من المهم أن يحاول الأهل قدر الإمكان تنظيم مشاعرهم وإظهار قدر من الطمأنينة، لأنهم يشكّلون المرآة العاطفية التي يقرأ الطفل من خلالها العالم.
"انا إلى جانبك" – كلمات بسيطة تمنح الطفل الأمان
وفي مواجهة الأسئلة الصعبة التي قد يطرحها الأطفال، مثل الخوف من الموت أو من وصول الحرب إليهم، تؤكّد الياس أنّ عبارات بسيطة قد تكون كفيلة بطمأنتهم؛ فقول الأهل لأطفالهم إنّهم إلى جانبهم، وإنهم يمرّون بهذه الظروف معًا، يمنحهم شعورًا بالأمان والانتماء. كما أنّ الجلوس بالقرب من الطفل واحتضانه والاستماع إلى مشاعره دون التقليل منها، يساعده على التعبير عمّا يشعر به. وتنصح الأخصائية النفسية بتجنّب عبارات مثل "لا يوجد ما يخيف"، لأنها قد تدفع الطفل إلى الشعور بأنّ مشاعره غير مفهومة أو غير مُبرّرة.
ومن المفيد كذلك مساعدة الأطفال على إيجاد وسائل بسيطة تخفّف من توتّرهم، مثل التواصل مع أصدقاء، أو ممارسة أنشطة جديدة، أو القيام بفعاليات بسيطة داخل المنزل. كما أنّ الحفاظ على روتين يومي، أو إنشاء روتين جديد يتلاءم مع الظروف، يمنح الطفل شعورًا بالاستقرار والاستمرارية رغم اضطراب الظروف.
عندما يتكلّم القلق دون كلمات
وعن العلامات السلوكية أو الجسدية التي قد تشير إلى أنّ الطفل متأثّر نفسيًا بما يحدث، تشير الياس إلى انّ الأطفال، شأنهم شأن الكبار، لا يعبّرون دائمًا عن قلقهم بالكلمات؛ ولذلك تشدّد على أهمّية أن ينتبه الأهل إلى التغيّرات السلوكية التي قد تظهر على أبنائهم. فقد يظهر لدى بعضهم تراجع في مراحل النموّ، مثل التبوّل اللاإرادي، أو اضطرابات في النوم، وقد تظهر عليهم علامات الخمول أو التعب. كما قد تتغيّر عادات الطعام لديهم، فيزداد الأكل أو يقلّ، فيما قد يلجأ بعض الأطفال إلى ما يُعرف بالأكل العاطفي.
وفي أحيان أخرى، قد تتجلّى الضغوط النفسية في نوبات غضب أو انفعالات سريعة، حتى في مواقف لا تبدو مرتبطة بالحرب مباشرةً. وتوضح الياس أنّ ذلك قد يكون نتيجة شعور الطفل بالإحباط، أو ضيقه من القيود المفروضة عليه، أو افتقاده للأنشطة التي اعتاد عليها مثل المدرسة أو اللعب مع الأصدقاء.
في مثل هذه الحالات، تنصح الأخصائية النفسية بمحاولة التحدّث مع الطفل ومساعدته على تسمية مشاعره وفهمها؛ فحين يضع الأهل المشاعر في كلمات، مثل القول للطفل إنه ربّما يشعر بالضيق لأنه لا يرى أصدقاءه أو لأنه مضطرّ للبقاء في المنزل، فإنّ ذلك يساعده على تنظيم مشاعره والتواصل مع ذاته بشكل صحّي.
الأهل أيضًا بحاجة إلى العناية بأنفسهم
وفي ختام حديثها، تؤكّد الياس أنّ دعم الأطفال يبدأ من قدرة الأهل على الاعتناء بأنفسهم أيضًا. فكما تقول: "فاقدُ الشيء لا يعطيه، ولا يمكن أن نسكب من كوب فارغ". ولهذا من المهم أن يمنح الأهل أنفسهم قدرًا من الاهتمام والراحة حتى يتمكّنوا من احتضان أطفالهم نفسيًا؛ مشدّدة على أنّ المطلوب من الأهل ليس أن يكونوا مثاليّين، بل يكفي أن يكونوا حاضرين ومنصتين لمشاعر أبنائهم.
وتختم بالإشارة إلى أنّ هذه النصائح لا تنطبق على الحروب والأزمات فقط، بل هي مبادئ مهمّة في الحياة اليومية أيضًا: فالعلاقة التي تُبنى على الحوار والثقة في الأيام العادية هي نفسها التي تمنح الأطفال الشعور بالأمان عندما تواجه العائلة ظروفًا استثنائية – ذلك الأمان الصغير الذي نحاول جميعًا الحفاظ عليه وسط عالم مضطرب.


