من واشنطن إلى بكين: وثيقة تكشف كيف تخطط إسرائيل لمواجهة أزمة الذخائر

وثيقة داخلية في وزارة الأمن الإسرائيلية تدعو إلى تبني مبدأ "المناعة قبل الكفاءة"، وتعزيز القدرة على إنتاج وتوفير الأسلحة والذخائر محليًا في الحروب الطويلة، وسط مخاوف من الاعتماد على الخارج وخيبة أمل من السياسة الأميركية وتحديات تواجه مخزونات الذخيرة عالميًا. 

تدرس وزارة الأمن الإسرائيلية إعادة صياغة سياسة التسلح وبناء القدرات العسكرية، مستلهمة بعض المبادئ التي اعتمدتها الصين في تطوير قاعدتها الصناعية، وفق ما كشفته وثيقة داخلية للوزارة وصلت إلى القناة 12 الإسرائيلية. ويأتي هذا التوجه في ظل التحديات التي تواجه مخزونات وتسليح الجيش الأميركي، وبالتزامن مع توجه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لإضافة نحو 350 مليار شيكل إلى ميزانية المنظومة الأمنية خلال العقد المقبل.
"السياسة التكنولوجية والصناعية للصين" وبحسب التقرير، أُعدت الوثيقة داخل قسم الصادرات الأمنية في وزارة الأمن الإسرائيلية "سيبات"، وتحمل عنوان "السياسة التكنولوجية والصناعية للصين"، وتتضمن توصية بأن تتبنى إسرائيل مبادئ مستوحاة من برنامج تعزيز القوة الصيني. وتشير الوثيقة إلى أن أحد دوافع هذا التوجه هو خيبة الأمل من بعض جوانب سياسة الولايات المتحدة، الحليف الأقرب لإسرائيل، إلى جانب استخلاص دروس من الحروب والصراعات الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا والمواجهة مع إيران. وترى الوثيقة أن الصراعات بين القوى الكبرى خلال العقد المقبل لن تُحسم فقط في ساحات القتال أو وفق حجم الجيوش، بل ستتأثر بشكل كبير بقدرة الدول على الحفاظ على قاعدة صناعية متينة وسلاسل إمداد آمنة تستطيع توفير الذخائر والمعدات العسكرية على امتداد حرب طويلة.
الولايات المتحدة "متأخرة" عن الصين في عدة مجالات ووفقًا لمعدّي الوثيقة، فإن الولايات المتحدة تعاني من "تأخر" مقارنة بالصين في عدد من المجالات المتعلقة بالاستعداد لمواجهة عسكرية محتملة.
وتصف الوثيقة الطريقة التي بنت بها الصين خلال السنوات الماضية ما وصفته بـ"منظومة هجينة قوية"، تعمل على تسخير السوق والقدرات الصناعية لخدمة أهدافها السياسية والعسكرية. وفي المقابل، قلل الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال نهاية الأسبوع من المخاوف المتعلقة بمخزونات بلاده، وقال إن الولايات المتحدة تمتلك مخزونات تكاد تكون غير محدودة من بعض أنواع الذخائر، رغم إقراره بتراجع مخزون أنواع أخرى من الأسلحة والذخائر.
"المناعة قبل الكفاءة".. المفهوم الجديد ويتمحور أحد أبرز الاقتراحات الواردة في الوثيقة حول تبني مفهوم "المناعة قبل الكفاءة"، في تحول عن النموذج الغربي الذي يعطي أهمية كبيرة للكفاءة الاقتصادية وخفض تكاليف الإنتاج. وبحسب قسم الصادرات الأمنية في وزارة الأمن، لم يعد بإمكان الدول الغربية الاعتماد فقط على آليات السوق الحرة في مواجهة نموذج صيني هجين يُخضع السوق للأهداف الاستراتيجية والسياسية للدولة. ورغم أن إسرائيل لا تواجه الصين عسكريًا بصورة مباشرة، ترى وزارة الأمن أن تعدد الجبهات التي قد تضطر إسرائيل إلى التعامل معها وتنوعها يفرضان عليها دراسة نهج مشابه، خصوصًا فيما يتعلق بتأمين الإنتاج العسكري وسلاسل الإمداد. وتقر الوثيقة، في الوقت ذاته، بأن للنموذج الصيني سلبيات محتملة، من بينها الهدر والإضرار بالابتكار، إلا أنها ترى أن ضخامة القاعدة الصناعية الصينية تمنح بكين قدرة كبيرة على الاستمرار في التأثير في قواعد اللعبة العالمية.
من "اقتصاد سبارتا" إلى تعزيز الإنتاج المحلي وتأتي النقاشات داخل وزارة الأمن امتدادًا لتحول أوسع في التفكير الإسرائيلي، كان قد برز في خطاب لنتنياهو في أيلول/سبتمبر 2025، والذي تحدث خلاله عن ضرورة الاستعداد لاقتصاد يحمل بصورة متزايدة سمات "الاكتفاء الذاتي". ويعني ذلك، وفق هذا التوجه، تعزيز قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تلبية احتياجاته الاستراتيجية وتقليص الاعتماد على التجارة والإمدادات الخارجية في المجالات الحساسة، خصوصًا خلال فترات الحروب والأزمات الممتدة.
350 مليار شيكل إضافية للأمن.. ومعارضة من المالية وبنك إسرائيل ويتزامن ذلك مع خطة نتنياهو لزيادة الإنفاق على المنظومة الأمنية بنحو 350 مليار شيكل خلال السنوات العشر المقبلة، بهدف تعزيز القدرات العسكرية والإنتاجية. لكن الخطة تواجه معارضة كبيرة من جانب وزارة المالية وبنك إسرائيل، في ظل التداعيات الاقتصادية والمالية المتوقعة لمثل هذه الزيادة الضخمة في الإنفاق الأمني. وفي المقابل، تشدد الوثيقة الداخلية لوزارة الأمن على الحاجة الملحة إلى ضمان أمن واستقرار سلاسل إمداد الجيش الإسرائيلي، خصوصًا في سيناريوهات الحرب الطويلة التي تتطلب استهلاك كميات كبيرة من الذخائر والأسلحة على مدى فترة زمنية ممتدة. وتكشف الوثيقة بذلك عن نقاش استراتيجي يتجاوز مسألة شراء المزيد من الأسلحة، ليصل إلى إعادة التفكير في النموذج الذي تعتمد عليه إسرائيل في إنتاج الذخائر وتأمين الإمدادات والاحتفاظ بقدرة صناعية محلية قادرة على الصمود خلال الحروب الممتدة.