يدفع غلاء المعيشة وضعف الرواتب التقاعدية والمخصصات كثيرًا من كبار السن في البلاد إلى البقاء في سوق العمل حتى سن متقدمة، ليس دائمًا بدافع الرغبة في الاستمرار بالعمل، وإنما في كثير من الحالات بسبب الحاجة إلى دخل إضافي يمكّنهم من تغطية احتياجاتهم اليومية والحفاظ على استقلالهم الاقتصادي.
وتشير بيانات "معهد شورش" إلى أن نحو 28% من الرجال و15% من النساء فوق سن 65 عامًا يواصلون العمل، وهي نسب مرتفعة مقارنة بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "OECD". كما يستمر أكثر من نصف الرجال الذين يعملون بعد سن التقاعد في عملهم بعد تجاوز سن 70 عامًا، مقابل نحو 30% من النساء.
وقالت مديرة مشروع "الشيخوخة المثلى" في بلدية شفاعمرو، سارة حصري، إن هذه المعطيات تعكس واقعًا ملموسًا لدى شريحة واسعة من كبار السن، خصوصًا في المجتمع العربي، حيث تتداخل محدودية الدخل بعد التقاعد مع ارتفاع أسعار الغذاء والعلاج والاحتياجات الأساسية.
مخصصات لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية
سارة حصري: "أسمع كثيرًا: لا أستطيع التوقف عن العمل"
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
10:17
وأوضحت حصري أن مخصص الشيخوخة الأساسي للفرد بلغ، وفق المعطيات التي استندت إليها في المقابلة لشهر حزيران/يونيو 2026، نحو 1,838 شيكل شهريًا، معتبرة أن هذا المبلغ لا يكفي لتغطية المصاريف الأساسية لكبير السن في ظل مستويات الأسعار الحالية.
وقالت: "اليوم أي مشتريات أساسية لكبير السن لا يمكن فعليًا تغطيتها بـ1,838 شيكل للشخص"، لافتة إلى أن الضغوط المالية تزداد في هذه المرحلة العمرية بسبب ارتفاع النفقات الصحية والحاجة إلى الأدوية والعلاجات المختلفة.
وأضافت أن هناك عدة أسباب تدفع كبار السن إلى الاستمرار في العمل، أبرزها "عدم كفاية الدخل بعد التقاعد، والحفاظ على الاستقلال الاقتصادي ومستوى المعيشة الذي اعتادوا عليه"، مشيرة إلى أن عددًا من كبار السن يواصلون أيضًا تقديم مساعدات مالية لأبنائهم وأحفادهم رغم وصولهم إلى سن التقاعد.
"أسمع كثيرًا: لا أستطيع التوقف عن العمل"
وأكدت حصري أن استمرار كبار السن بالعمل بسبب الضائقة الاقتصادية ليس مجرد ظاهرة تظهر في الإحصاءات، وإنما واقع تسمعه بصورة مباشرة خلال عملها اليومي.
وقالت إن برنامج "الشيخوخة المثلى" في شفاعمرو نجح في الوصول إلى نحو 200 شخص من كبار السن من خلال مشروع "البيوت المستضيفة"، إذ تعمل 10 بيوت في المدينة على تنظيم لقاءات دورية، يشارك في كل منها بين 15 و20 شخصًا.
وأوضحت أن هذه اللقاءات فتحت نافذة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لكبار السن، وخاصة أولئك الذين لا يشاركون عادة في نشاطات المراكز الجماهيرية أو البلدية ولا يخرجون من منازلهم بشكل منتظم.
وقالت حصري: "كثيرًا ما نتحدث معهم عن أن الدخل الذي يحصلون عليه غير كافٍ"، مضيفة أنها تصادف بصورة متكررة كبار سن تجاوزوا سن 70 عامًا يقولون بوضوح إنهم لا يستطيعون التوقف عن العمل لأن المخصصات أو الدخل التقاعدي لا يغطي احتياجاتهم.
وفي الوقت نفسه، شددت على ضرورة التمييز بين من يواصل العمل اضطرارًا وبين من يختار الاستمرار فيه حفاظًا على النشاط والشعور بالاستقلال والهدف، قائلة إن العمل بالنسبة لبعض كبار السن يمنحهم أيضًا إحساسًا بأنهم ما زالوا فاعلين ومنتجين.
مبادرات محلية لتخفيف العبء
وفي محاولة لتقليص الأعباء عن كبار السن في شفاعمرو، أشارت حصري إلى مبادرة محلية بالتعاون مع منتدى رجال الأعمال في المدينة لإطلاق بطاقة خاصة لأبناء "الجيل الذهبي"، تتيح لهم الحصول على تخفيضات في عدد من المصالح التجارية.
وتشمل المبادرة، بحسب حصري، محلات للنظارات والصيدليات والأحذية الطبية وغيرها من المصالح التي تلبي احتياجات هذه الفئة، إلى جانب مطاعم وافقت على تقديم تخفيضات وصلت في بعض الحالات إلى 50%.
وقالت إن المبادرة لا تهدف فقط إلى تقليل النفقات، وإنما أيضًا إلى تشجيع كبار السن على الخروج من منازلهم والحفاظ على حياة اجتماعية أكثر نشاطًا.
المجتمع العربي والشيخوخة في العقود المقبلة
وترى حصري أن القضية تحتاج إلى معالجة أوسع من المبادرات المحلية، تشمل رفع الوعي بحقوق كبار السن والعمل على مستوى صنع القرار لضمان دخل وحياة كريمة بعد التقاعد.
وقالت إن السلطات المحلية يمكنها أن تؤدي دورًا مهمًا من خلال إنشاء قواعد بيانات للمتقاعدين الذين يرغبون في العودة إلى سوق العمل أو الاستمرار فيه، وربطهم بفرص تناسب قدراتهم، إلى جانب تعزيز الوعي بالمخصصات والحقوق التي يمكن الحصول عليها من مؤسسات الدولة.
كما دعت إلى وضع قضايا كبار السن على جدول الأعمال السياسي، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات، مطالبة ممثلي المجتمع العربي بالعمل على ضمان حقوق اقتصادية واجتماعية أفضل لهذه الفئة.
وأضافت أن المجتمع العربي، رغم كونه مجتمعًا شابًا نسبيًا اليوم، يتجه بدوره نحو ارتفاع نسبة كبار السن خلال العقود المقبلة، ما يستدعي البدء منذ الآن ببناء منظومة قادرة على التعامل مع التحولات الديمغرافية وتوفير ظروف شيخوخة أكثر أمانًا واستقلالًا.
بين الرغبة في العمل والاضطرار إليه
وشددت حصري في ختام حديثها على أن المشكلة ليست في استمرار كبير السن بالعمل عندما يختار ذلك ويتمتع بالصحة والقدرة، وإنما حين يتحول العمل إلى ضرورة اقتصادية لا يستطيع التخلي عنها.
وقالت: "من المهم أن نعيش بكرامة وأمان اقتصادي، لكن بعد سن التقاعد، وبعد سنوات من العمل والعطاء للأبناء والأحفاد، من حق الإنسان أيضًا أن ينظر إلى نفسه وإلى راحته وحياته".
وتعيد البيانات بذلك طرح سؤال أوسع حول معنى سن التقاعد في ظل غلاء المعيشة: هل يمثل بداية مرحلة يستطيع فيها كبير السن اختيار الاستمرار في العمل أو التفرغ لحياته الشخصية، أم يتحول بالنسبة لشريحة متزايدة إلى سن قانونية لا تنهي عمليًا الحاجة اليومية إلى العمل وتأمين الدخل؟


