صادقت الهيئة العامة للكنيست، اليوم الأربعاء، بالقراءة التمهيدية على "قانون منع الأذان"، بأغلبية 50 عضو كنيست مقابل معارضة 36، في خطوة تعيد إلى الواجهة أحد أكثر مشاريع القوانين إثارة للجدل في العلاقة بين المؤسسة الإسرائيلية والمجتمع العربي، لما يحمله من مساس مباشر بالحيز الديني والرمزي للمسلمين.
وينص مشروع القانون، الذي يُقدَّم تحت عنوان "منع الضجيج غير المعقول الصادر عن المؤذن"، على منع إقامة أو تشغيل أنظمة مكبرات الصوت في المساجد دون الحصول على تصريح مسبق. وبحسب الصيغة المطروحة، يُفحص منح التصريح وفق معايير تشمل مستوى الصوت، موقع المسجد، قربه من مناطق سكنية، وتأثير الصوت على السكان. كما يمنح القانون الشرطة صلاحية المطالبة بوقف استخدام مكبرات الصوت فورًا، بل ومصادرتها في حال استمرار ما يُعرَّف بأنه مخالفة.
كيف تم تمرير هذا القانون؟ محمد مجادلة
01:09
ويتضمن المشروع عقوبات مالية مشددة، بينها غرامة تصل إلى 50 ألف شيقل في حال تشغيل أو إقامة نظام مكبرات صوت دون تصريح، وغرامة بقيمة 10 آلاف شيقل في حال تشغيله خلافًا لشروط التصريح. ويروّج المبادرون إلى القانون له باعتباره أداة لمعالجة "الضجيج"، فيما يرى معارضوه أنه يستهدف الأذان والمساجد بشكل خاص، ويحوّل قضية يمكن معالجتها ضمن قوانين الضجيج القائمة إلى مسار تشريعي ذي طابع سياسي وديني واضح.
ماذا يعني التصويت بالقراءة التمهيدية؟
التصويت بالقراءة التمهيدية لا يعني أن قانون منع الأذان دخل حيّز التنفيذ، ولا يعني أنه أصبح قانونًا نافذًا. هذه المرحلة تُعد الخطوة الأولى فقط في مسار تشريع اقتراح قانون خاص يقدمه عضو كنيست، بخلاف مشاريع القوانين الحكومية التي تبدأ عادة من القراءة الأولى.
بعد المصادقة التمهيدية، يُحال مشروع القانون إلى لجنة في الكنيست لتحضيره للقراءة الأولى، وهناك يمكن إدخال تعديلات على نصه أو إبطاء مساره أو تجميده. وإذا أُقر بالقراءة الأولى، يحتاج القانون بعد ذلك إلى تحضير إضافي في اللجنة، ثم التصويت عليه بالقراءتين الثانية والثالثة في الهيئة العامة، قبل أن يصبح قانونًا نافذًا.
حظوظ التمرير: بين الإنجاز الرمزي والعوائق التشريعية
رغم أن تمرير القانون بالقراءة التمهيدية بأغلبية 50 مقابل 36 يمنح المبادرين إليه إنجازًا سياسيًا أوليًا، فإن الطريق أمامه ما زال طويلًا وغير مضمون. فالقانون يحتاج إلى المرور بعدة مراحل تشريعية إضافية، وقد تؤثر ضغوط سياسية وائتلافية وتفاهمات بين الكتل على مصيره.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن دعم حزب شاس وأعضاء من "إسرائيل بيتنا" ساهم في تمرير القانون، بينما تغيّبت يهدوت هتوراه عن التصويت، وهو ما يعكس حساسية سياسية داخل الكتل الحريدية والعلاقة مع النواب العرب.
وتزداد حظوظ تعطيل القانون إذا جرى إطالة النقاشات في اللجنة، أو إذا اقتربت الكنيست من نهاية دورتها قبل استكمال القراءة الأولى. ففي حال لم يمر القانون بالقراءة الأولى قبل انتهاء الدورة أو حل الكنيست، يسقط مساره التشريعي عمليًا ويحتاج إلى تقديمه من جديد في الكنيست المقبلة.
أما إذا نجح المبادرون في تمريره بالقراءة الأولى، فتصبح حظوظه أفضل من الناحية الإجرائية، لأن بعض مشاريع القوانين التي تعبر القراءة الأولى يمكن استئنافها لاحقًا وفق ترتيبات معينة، لكنها تبقى بحاجة إلى قرار سياسي من الحكومة أو الائتلاف القادم لمواصلة الدفع بها. لذلك، يمكن القول إن القانون تجاوز حاجزًا سياسيًا مهمًا، لكنه لم يتجاوز بعد الحاجز التشريعي الحاسم.
غضب عربي بعد التصويت التمهيدي
توما سليمان: المعركة الآن هي لمنع تحويله لقانون
استوديو المساء مع فراس خطيب
08:33
وأثار تمرير القانون بالقراءة التمهيدية ردود فعل غاضبة في صفوف النواب العرب، الذين اعتبروا أن القانون يستهدف حرية العبادة والحضور الديني للمسلمين في الحيز العام، ولا يندرج في إطار معالجة الضجيج كما يدّعي المبادرون إليه.
عباس: إسقاط حكومة منع الأذان ضرورة سياسية
وقال رئيس القائمة العربية الموحدة، النائب منصور عباس، إن إقرار ما وصفه بـ"القانون العنصري لمنع الأذان" يؤكد ضرورة التصويت ودعم القائمة الموحدة، من أجل استبدال حكومة منع الأذان وإسقاطها، وتشكيل حكومة تغيير بشراكة مع الموحدة، بما يضمن الحقوق الدينية ويمنع تمرير القانون، إلى جانب معالجة قضايا المجتمع العربي وفي مقدمتها الجريمة والقتل والهدم والعنصرية.
من جانبه، حذّر النائب وليد الهواشلة، من القائمة العربية الموحدة، من أن تقييد الأذان وفرض غرامات على المساجد يشكل تصعيدًا خطيرًا ضد المسلمين وحرية العبادة، مؤكدًا أن إيتمار بن غفير والأحزاب اليمينية المتطرفة يواصلون استغلال القضايا الدينية للتحريض وكسب الأصوات عبر تشريعات تستهدف المواطنين العرب ومقدساتهم.
وأضاف الهواشلة أن استهداف الأذان ليس مجرد تقييد لشعيرة دينية، بل اعتداء على حرية العبادة، مشددًا على أن هذه التشريعات لا توفر الأمن ولا تعالج أي مشكلة، وإنما تغذي الكراهية وتزيد من حالة الاحتقان في المجتمع.
كسيف: قانون يزعج عنصريتهم
أما النائب عوفر كسيف فهاجم القانون بشدة، قائلًا إن "المؤذن لا يزعج آذانهم، بل يزعج عنصريتهم"، معتبرًا أن الهدف من القانون هو "غرز إصبع في عين مئات الآلاف من المؤمنين"، وإسكات صوت يذكّر بوجود شعب آخر وثقافة أخرى ولغة أخرى ودين آخر. وأضاف أن "لا ضجيج أكبر من ضجيج حكومة الدم التي تحرّض وتبث الكراهية وتنتهك الحريات الأساسية صباح مساء".
وفي مقابلة إذاعية، أوضحت النائبة عايدة توما سليمان أن القانون لم يُقر بعد بصورة نهائية، بل اجتاز فقط القراءة التمهيدية، وهي المرحلة الأولى في مسار مشاريع القوانين الخاصة التي يقدمها أعضاء كنيست. وأكدت أن القانون يحتاج إلى بحث في لجنة برلمانية ثم إلى قراءات إضافية، مشيرة إلى أن الكنيست في أيامها الأخيرة، ولذلك فإن إطالة المسار التشريعي قد تؤدي إلى سقوط القانون وعدم استكمال سنّه قبل نهاية الدورة الحالية.
توما سليمان: المعركة الآن هي لمنع تحويله لقانون
وحذّرت توما سليمان من أن الصيغة المطروحة لا تكتفي بمعالجة موضوع الضجيج، بل تفرض عمليًا مسار مصادقة مسبقة من وزارة حماية البيئة قبل استخدام مكبرات الصوت في المساجد، وتمنح الشرطة صلاحيات واسعة للتدخل في حال اعتُبر أن المسجد خالف التعليمات، بما في ذلك وقف استخدام المكبرات والدخول إلى المسجد ومصادرة المعدات.
واعتبرت توما سليمان أن القانون يأتي في سياق انتخابي واضح، يقوده بن غفير بهدف التحريض واستعراض القوة أمام جمهوره، مشيرة إلى أن ما فشل اليمين في تمريره في دورات سابقة يحاول الآن دفعه مجددًا عشية الانتخابات. كما لفتت إلى أن حزب شاس أيّد القانون تحت ضغط المنافسة مع بن غفير على جمهور يميني متطرف، فيما لم تصوّت يهدوت هتوراه لصالحه، احترامًا لتفاهمات سابقة مع النواب العرب.
وأكدت توما سليمان أن المعركة الأساسية الآن هي منع تقدم القانون في المراحل المقبلة، موضحة أنه حتى في حال مروره بالقراءة الأولى، يمكن لأي حكومة مقبلة أن تضعه على الرف وتمنع استكمال تشريعه. وأضافت أن فترة الانتخابات قد تشهد مزيدًا من مشاريع القوانين العنصرية والفاشية، ما يتطلب حذرًا وتصديًا سياسيًا وبرلمانيًا متواصلًا.
ويأتي تقدم القانون بعد أن صادقت عليه اللجنة الوزارية لشؤون التشريع في نهاية أيار/ مايو الماضي، بمبادرة من رئيس لجنة الأمن القومي عضو الكنيست تسفيكا فوغل، وبدعم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي دفع خلال الأشهر الأخيرة باتجاه تشديد أدوات الشرطة تجاه المساجد. وتؤكد الصيغة الحالية أنها أشد من مبادرات سابقة، إذ لا تكتفي بتقييد ساعات استخدام مكبرات الصوت، بل تنشئ آلية ترخيص ورقابة وغرامات وصلاحيات مصادرة.
العربية للتغيير: تصعيد جديد في نهج العنصرية
كما أدانت الحركة العربية للتغيير تمرير مشروع قانون منع الأذان بالقراءة التمهيدية، بمبادرة من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، معتبرة أنه يمثل تصعيدًا خطيرًا في نهج العنصرية والإسلاموفوبيا، واستهدافًا مباشرًا لحرية العبادة وللمقدسات الإسلامية.
وعبّرت الحركة عن سخطها من التصويت لصالح المشروع، ولا سيما دعم أعضاء من حزب شاس المتدين له، إلى جانب عدد من أعضاء حزب "إسرائيل بيتنا" وعلى رأسهم أفيغدور ليبرمان، معتبرة أن هذا الموقف يتناقض مع أبسط مبادئ حرية الدين والضمير.
وأكدت العربية للتغيير أن المشروع، رغم أنه لم يتجاوز حتى الآن القراءة التمهيدية، يحمل بمجرد تمريره رسالة عنصرية خطيرة، ويعكس سياسة تحريضية تستهدف المواطنين العرب والمسلمين ورموزهم الدينية.
وشددت الحركة على أن هذه ليست المرة الأولى التي تُطرح فيها محاولات لمنع الأذان، مؤكدة أن هذه المحاولات فشلت سابقًا وستفشل مجددًا، وأن الأذان سيبقى جزءًا أصيلًا من هوية البلاد وتاريخها، بينما مصير القوانين العنصرية وأصحابها إلى الزوال.
عودة القانون رغم محاولات تعطيله
وكان هذا القانون قد عاد إلى طاولة الكنيست ضمن سلسلة مشاريع قوانين ذات طابع يميني وديني، في ظل اقتراب الانتخابات وتصاعد التنافس داخل الائتلاف على مخاطبة جمهور اليمين. وفي الأسابيع الماضية، طُرحت تقديرات حول تفاهمات برلمانية غير معلنة بين كتل حريدية والأحزاب العربية، تقضي بتغيب الأحزاب العربية عن تصويتات تتعلق بقانون "تعليم التوراة"، مقابل امتناع كتل حريدية عن دعم قوانين تمس المجتمع العربي، بينها قانون الأذان وقانون المآذن.
لكن التصويت اليوم أظهر أن تلك التفاهمات، لم تمنع تمرير القانون في مرحلته التمهيدية، خصوصًا بعد إعلان حزب شاس استعداده لدعم قانون المآذن، مقابل توقعات بأن تتغيب يهدوت هتوراه أو لا تشارك بشكل كامل في التصويت، حفاظًا على التفاهمات مع الأحزاب العربية.
" تشريع يستهدف المسلمين لا الضجيج"
وكانت جهات حقوقية وبحثية قد انتقدت مشاريع "قانون المآذن" في صيغها السابقة، معتبرة أن المشكلة ليست بحاجة إلى قانون جديد، بل يمكن معالجتها من خلال أدوات الإنفاذ القائمة في قوانين الضجيج. واعتبر المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في موقف سابق أن مثل هذه التشريعات تميّز ضد دور العبادة، وتفرض عليها معايير خاصة بدل التعامل مع أي مخالفة ضجيج ضمن القانون العام. كما حذّر من أن جوهر القانون يمس بحرية الدين ويستهدف مشاعر المسلمين في إسرائيل.
ومع المصادقة التمهيدية، لا يزال القانون بحاجة إلى المرور في لجنة برلمانية ثم التصويت عليه بثلاث قراءات إضافية قبل أن يصبح قانونًا نافذًا. غير أن تمريره في هذه المرحلة يمنح الائتلاف واليمين المتطرف إنجازًا سياسيًا رمزيًا، ويفتح الباب أمام مواجهة جديدة مع القيادات العربية والإسلامية التي ترى في القانون محاولة لإسكات الأذان وتقييد الحضور الديني الإسلامي في الحيز العام.
First published: 17:44, 01.07.26


