تدرس مؤسسة التأمين الوطني، بالتنسيق مع لجان حكومية، تشديد شروط صرف المخصصات في عدد من المجالات، وفي مقدمتها مخصصات التمريض ومخصصات الأطفال على طيف التوحّد، وذلك في ظل الارتفاع الحاد في النفقات والتحذيرات من عجز مالي محتمل قد تواجهه المؤسسة بحلول عام 2029.
وتأتي هذه النقاشات على خلفية تقارير إسرائيلية أشارت إلى ارتفاع كبير في حجم المدفوعات خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في مجالي التمريض وإعاقة الأطفال، وسط مخاوف من عدم قدرة التأمين الوطني على مواصلة دفع المخصصات الحالية مستقبلا من دون تغيير في السياسة المالية أو زيادة مصادر الدخل.
"عجز تراكمي نتيجة ارتفاع المصروفات"
د. حسام أبو بكر يحذر من أن تقليص المخصصات قد يعيد السياسات الاجتماعية إلى الوراء
غرفة الأخبار مع عفاف شيني
13:53
وقال د. حسام أبو بكر، مدير مؤسسة الفنار والمحلل لشؤون الأمن الاجتماعي والاقتصادي، إن الحديث عن العجز في مؤسسة التأمين الوطني ليس جديدا، غير أن المستجد في المرحلة الحالية هو أن المؤسسة، بعد فحص أعمق للواقع المالي، وجدت أن هناك عجزا إضافيا محتملا نتيجة الارتفاع الكبير في بعض المخصصات.
وأوضح أبو بكر أن "الأمر يرتبط بعملية تراكمية؛ فعندما ترتفع المصروفات على مدار سنوات، بينما تبقى المدخولات على حالها أو لا ترتفع بالنسبة نفسها، فإن ذلك يؤدي في نهاية المطاف إلى عجز متوقع".
وأضاف أن هذه النقاشات قد لا تنتهي بالضرورة إلى تقليص فعلي في الخدمات، لكنها تشكل، برأيه، نوعا من الضغط الذي تمارسه مؤسسة التأمين الوطني على صانعي القرار للبحث عن حلول بديلة. وقال: "مؤسسة التأمين الوطني تقول عمليًا إن وضعها صعب، فإما أن تُقلّص الخدمات، أو أن تجد الدولة حلولا أخرى لزيادة المدخولات".
صعوبة العودة إلى الوراء
ورأى أبو بكر أن من الصعب على الدولة التراجع عن سياسات اجتماعية جرى توسيعها خلال السنوات الماضية، خصوصًا في مجالات تمس فئات ضعيفة مثل المسنين والأطفال ذوي الإعاقة.
وقال: "دولة لا تزال تعرّف نفسها على أنها دولة خدمات اجتماعية، وسبق أن سنّت قوانين ووسّعت نفقات اجتماعية معيّنة، سيكون من الصعب عليها أن تعود إلى الوراء، حتى لو كان الارتفاع في المصروفات كبيرا جدا".
وأشار إلى أن الزيادة في النفقات المتعلقة بمخصصات التمريض ومخصصات الأطفال ذوي الإعاقة بلغت، بحسب المعطيات المطروحة، نحو 30 مليار شيكل مقارنة بسنوات سابقة، وهي زيادة حديثة نسبيا ومرتبطة بتعديلات أُدخلت على شروط الاستحقاق.
وتحدث أبو بكر عن البعد الاجتماعي لهذه المخصصات، مؤكدًا أن مخصصات التمريض ومخصصات الأطفال ذوي الإعاقة ليست امتيازا إضافيا، بل أدوات دعم تهدف إلى مساعدة المسنين والأطفال وأسرهم في إدارة شؤون الحياة اليومية.
وقال: "هذه المخصصات تتعلق بقدرة المسنين والأطفال على القيام بشؤونهم اليومية، وهي مخصصات داعمة تساعدهم على العيش بصورة أفضل وأكثر كرامة". وأضاف أن التعديلات السابقة على مخصصات التمريض جاءت من منطلق اجتماعي صحيح، انطلق من اعتبار المسنين فئة ضعيفة اقتصاديا واجتماعيا، ولذلك جرى توسيع الخدمات والتسهيلات المقدمة لهم.
لكنه أشار في المقابل إلى أن هذه التسهيلات قد تكون أتاحت، في بعض الحالات، حصول أشخاص على مخصصات بصورة شبه أوتوماتيكية، وهو ما يدفع اليوم إلى إعادة فحص المعايير. ومع ذلك، شدد على أن أي مس بهذه المخصصات يعني تغييرا في الاتجاه الاجتماعي العام. وقال: "التفكير في المس بهذه المخصصات يعني أن السياسة العامة تريد أن تعود إلى الوراء، وكأنها تقول إنها أخطأت في التعديلات السابقة".
المطلوب فحص المنظومة لا المس بالخدمات
وردا على سؤال حول ما إذا كانت الأزمة المالية تتطلب فحصا أوسع لمنظومة التأمين الوطني، قال أبو بكر إن المطلوب هو فحص شامل لكيفية زيادة مدخولات المؤسسة من دون المس بسلة الخدمات.
وأوضح أن هناك بدائل وتوصيات عديدة يمكن أن تحافظ على طرفي المعادلة: زيادة المدخولات من جهة، والحفاظ على الخدمات أو حتى توسيعها من جهة أخرى.
وقال: "الهدف يجب أن يكون زيادة مدخولات مؤسسة التأمين الوطني من دون المس بالخدمات، بل إن بعض التوصيات تدعو إلى توسيع سلة الخدمات، خصوصًا للمسنين الذين تُظهر تقارير الفقر أنهم من بين الفئات الأكثر ضعفًا".
وأضاف أن التأمين الوطني يشكل شبكة الحماية الأخيرة لكثير من المسنين، ولذلك فإن المطلوب، برأيه، زيادة المخصصات لهذه الفئة لا تقليصها. وقال: "إذا أردنا أن نحافظ على حياة كريمة للمسنين، فنحن بحاجة إلى زيادة المخصصات، لا إلى إجراءات تؤدي إلى تآكلها".
تأثير خاص على المجتمع العربي
وحول انعكاس أي تغييرات محتملة على المجتمع العربي، أوضح أبو بكر أن نسبة المسنين في المجتمع العربي أقل من نسبتها في المجتمع اليهودي، إذ لا تتعدى نحو 6 إلى 6.5%، مقابل أكثر من 12% في المجتمع اليهودي. وبناء على ذلك، قد يكون عدد المتضررين من أي تقليص في مخصصات التمريض أقل من حيث النسبة العددية.
لكنه شدد على أن حجم الأثر الاجتماعي والاقتصادي سيكون أكبر في المجتمع العربي، بسبب الأوضاع الاقتصادية الأضعف والفجوات القائمة أصلا. وقال: "صحيح أن نسبة المسنين في المجتمع العربي أقل، لكن المجتمع العربي أضعف اقتصاديا، والمسنون العرب أضعف اقتصاديا أيضا. لذلك فإن كل مس بهذه المخصصات ستكون له أصداء أكبر داخل المجتمع العربي".
أما فيما يتعلق بالأطفال على طيف التوحّد، فأكد أبو بكر أن زيادة المخصصات في هذا المجال ارتبطت بتوسيع الاعتراف القانوني بهذه الفئة وارتفاع نسبة الكشف والتشخيص. وقال إن "إدخال الأطفال على طيف التوحّد ضمن دائرة الاستحقاق هو ما أدى إلى زيادة المخصصات، إلى جانب ارتفاع حالات التشخيص".
وأضاف: "برأيي لا يمكن المس بهذه المخصصات، لكن إذا حدث ذلك فسيكون التأثير كبيرا جدا على المجتمع العربي، وخاصة على الأطفال أنفسهم وعلى العائلات التي ترعاهم".
التغييرات قد تطال الحالات الجديدة فقط
وأشار أبو بكر إلى أن أي توصيات محتملة للمس بالمخصصات لا تُطبّق عادة بأثر رجعي، موضحًا أن من يتلقون المخصصات حاليا من المرجح أن يستمروا في تلقيها، بينما قد تُطبّق التغييرات، إذا أُقرت، على الحالات الجديدة فقط.
وقال: "عادة لا يكون المس بالمخصصات بأثر رجعي. كل من يتلقى هذه المخصصات اليوم، الاحتمال الأكبر أن يستمر في تلقيها. وإذا حدث تغيير، فمن المرجح أن يُطبّق على الحالات الجديدة".
ومع ذلك، دعا العائلات إلى اليقظة والاستعداد، خصوصًا في ملف الأطفال على طيف التوحّد. وقال: "العائلات يجب أن تكون واعية لإمكانية الدخول في معركة أمام متخذي القرار، وأن تكون جزءا من عملية التأثير لا أن تراقب من الخارج".
دعوة للمجتمع العربي إلى الانخراط
وتوقع أبو بكر أن تواجه أي محاولة للمس بهذه المخصصات اعتراضات قانونية وجماهيرية، خصوصًا من الجمعيات والمؤسسات التي ترعى الأطفال والعائلات المتأثرة. لكنه أشار إلى أن المجتمع العربي غالبًا لا يكون شريكا فاعلا بما يكفي في مثل هذه المعارك.
وقال: "هناك جمعيات ومؤسسات لن تقف مكتوفة الأيدي، لكن المجتمع العربي عادة لا يكون شريكا فعالا في هذه القضايا. أدعو العائلات العربية إلى أن تكون داخل منظومة التأثير، لا خارجها".
وختم أبو بكر بالتأكيد أن المس بالمخصصات الاجتماعية، خصوصًا تلك التي تتعلق بالمسنين والأطفال ذوي الإعاقة، قد يفتح مواجهة واسعة مع متلقي الخدمات ومع الجمهور، كما حدث سابقا في محاولات المس بمخصصات العجز، التي انتهت في نهاية المطاف بزيادة المخصصات لا تقليصها.
وبين ضغط الميزانية وحقوق الفئات الضعيفة، يبقى النقاش مفتوحا حول مستقبل منظومة التأمين الوطني، وما إذا كانت الحكومة ستتجه إلى تقليص الخدمات، أم إلى البحث عن بدائل مالية تحافظ على شبكة الأمان الاجتماعي وتمنع المس بالفئات الأكثر حاجة.


