قبل ثلاثة أيام من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، تتجه الأنظار إلى صناديق الاقتراع في الولايات المتحدة، في استحقاق تتجاوز تداعياته الصراع التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، لتطال مستقبل الحرب مع إيران، والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وحسابات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. وبالنسبة للرئيس دونالد ترامب، فإن الانتخابات تمثل اختبارًا حاسمًا لقدرته على مواصلة سياساته خلال العامين الأخيرين من ولايته، فيما يقترب التصويت المبكر من 50 مليون ناخب، في مؤشر على حجم التعبئة السياسية.
الحرب مع إيران تدخل المعركة الانتخابية
هذه الانتخابات، المقررة الثلاثاء 3 نوفمبر، تأتي في مرحلة استثنائية تواجه فيها إدارة ترامب تداعيات الحرب مع إيران، وما رافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة وارتفاع في تكاليف المعيشة، إلى جانب استمرار الأزمات الإقليمية المرتبطة بإسرائيل وغزة ولبنان.
ولم تعد السياسة الخارجية ملفًا بعيدًا عن اهتمامات الناخب الأمريكي، إذ باتت تكاليف المواجهة العسكرية وانعكاساتها على أسعار الوقود والسلع جزءًا من الجدل الانتخابي الداخلي. ويرى محللون أن الحرب مع إيران تحولت إلى اختبار لقدرة ترامب على إدارة الأزمات العسكرية والاقتصادية في آن واحد، في وقت يسعى فيه الديمقراطيون إلى تحميل إدارته مسؤولية تداعياتها.
وكان ترامب قد أعلن في الثامن من أكتوبر أن الولايات المتحدة لن تشن هجومًا جديدًا على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي، وسط تقارير عن مخاوف من أن يؤدي تجدد العمليات العسكرية الواسعة إلى ارتفاع أسعار النفط وإلحاق ضرر إضافي بفرص الجمهوريين الانتخابية.
لماذا تترقب إسرائيل والمنطقة نتائج الانتخابات؟
بالنسبة لإسرائيل، لا تقتصر أهمية الانتخابات الأمريكية على هوية الحزب المسيطر على الكونغرس، بل تمتد إلى مستقبل الدعم السياسي والعسكري الأمريكي، وطبيعة القرارات التي ستتخذها واشنطن حيال إيران، وإمكانيات التوصل إلى تفاهمات إقليمية أو العودة إلى التصعيد العسكري.
ويكتسب الاستحقاق أهمية إضافية بعد انتخابات الكنيست الإسرائيلية التي جرت الثلاثاء الماضي، وأسفرت عن غياب أغلبية واضحة لأي من المعسكرين، رغم الدعم الذي قدمه ترامب لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. ويضع هذا الواقع الإدارة الأمريكية أمام احتمال التعامل مع حكومة إسرائيلية جديدة أو أزمة سياسية ممتدة، بالتزامن مع تحديات الحرب والملفات الإقليمية.
أما في حال نجاح الديمقراطيين في السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما، فقد تتسع قدرتهم على مساءلة الإدارة والتحقيق في قراراتها، وممارسة الضغوط بشأن الإنفاق العسكري والسياسة الخارجية. لكن هذا التحول لن يعني تلقائيًا وقف الدعم الأمريكي لإسرائيل أو إنهاء الحرب، إذ يحتفظ الرئيس بصلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية، مع استمرار دور الكونغرس في التمويل والرقابة والتشريع.
ومن هنا، فإن نتائج الانتخابات قد تؤثر في هامش المناورة المتاح لترامب، سواء في إدارة المواجهة مع إيران أو دفع المبادرات الدبلوماسية المرتبطة بغزة ولبنان والمنطقة عمومًا.
ترامب يخوض معركة للحفاظ على نفوذه
داخليًا، تشهد الولايات المتحدة سباقًا محتدمًا على جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعدًا، إلى جانب 35 مقعدًا في مجلس الشيوخ المؤلف من 100 عضو. ويخوض الجمهوريون الانتخابات في محاولة للحفاظ على سيطرتهم على مجلسي الكونغرس، وهي السيطرة التي وفرت لترامب خلال العامين الماضيين هامشًا واسعًا لتمرير أجندته السياسية.
أما الديمقراطيون، فيسعون إلى انتزاع السيطرة على أحد المجلسين على الأقل، بما يمنحهم القدرة على عرقلة أجزاء من البرنامج التشريعي للرئيس، وفتح تحقيقات برلمانية في أداء إدارته، وفرض رقابة أشد على قراراتها.
وتشير معطيات مختبر الانتخابات بجامعة فلوريدا، التي نقلتها رويترز، إلى أن أكثر من 49 مليون أمريكي أدلوا بأصواتهم مبكرًا، حضوريا أو عبر البريد، مقارنة بنحو 46 مليونًا في انتخابات التجديد النصفي السابقة عام 2022، وهو ما يعكس حجم الاهتمام بالاستحقاق، دون أن يشكل بحد ذاته مؤشرًا حاسمًا على هوية الفائز.
ألاسكا تتحول إلى ساحة مواجهة قانونية
وفي موازاة المعركة الانتخابية، تصاعد الجدل بشأن تدخل إدارة ترامب في الإجراءات الانتخابية بعد تكثيف وزارة العدل تحقيقاتها في ولاية ألاسكا، التي تشهد سباقًا متقاربًا على أحد مقاعد مجلس الشيوخ.
وتحقق السلطات في تقارير أفادت بأن مساعدين للمرشحة الديمقراطية ماري بيلتولا ساهموا في استقطاب مرشح مستقل يحمل اسمًا مشابهًا لاسم السناتور الجمهوري الحالي دان سوليفان، في خطوة يُشتبه بأنها استهدفت إرباك الناخبين والتأثير في توزيع الأصوات.
وسعت وزارة العدل إلى اتخاذ إجراءات قضائية قد تعرقل التصديق على نتائج الانتخابات في الولاية إذا خسر المرشح الجمهوري بفارق ضئيل. غير أن المرشحة الديمقراطية والمرشح المستقل نفيا التنسيق في هذا الشأن، فيما أثارت الإجراءات الفيدرالية تساؤلات قانونية بشأن حدود تدخل الإدارة في انتخابات تشرف عليها الولايات.
وامتدت المواجهة إلى ولاية كاليفورنيا، حيث رفعت إدارة ترامب دعاوى مرتبطة بأهلية بعض الناخبين وسجلاتهم، ضمن سلسلة إجراءات شملت ولايات أخرى وأثارت مخاوف لدى منظمات معنية بحماية حقوق التصويت.
صناديق الاقتراع الأمريكية قد تعيد رسم الحسابات الإقليمية
وفي ظل استمرار التوتر العسكري في الشرق الأوسط، لا تنحصر أهمية نتائج الثلاثاء في تحديد موازين القوى داخل واشنطن، بل تتصل أيضًا بكيفية تعامل ترامب مع الأزمات الخارجية بعد انتهاء المعركة الانتخابية.
فاحتفاظ الجمهوريين بسيطرتهم على الكونغرس سيمنح الرئيس مساحة سياسية وتشريعية أوسع لمواصلة أجندته، في حين أن تقدم الديمقراطيين قد يزيد الضغوط الداخلية عليه، ويجعل قراراته المتعلقة بالحرب والإنفاق العسكري أكثر عرضة للمساءلة والتجاذب السياسي.
وتبقى المسألة الأكثر أهمية بالنسبة للمنطقة مرتبطة بما إذا كانت الإدارة الأمريكية ستتجه بعد الانتخابات إلى البحث عن تسويات لخفض التصعيد، أم ستواصل سياسة الضغط العسكري والاقتصادي على إيران.


