أزمة وقود الطائرات في 2026: كيف تؤثر على أسعار التذاكر؟

ترجع الأزمة إلى عدة عوامل متزامنة، أبرزها تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز في نهاية فبراير 2026 بسبب الحرب على إيران، في وقت تعد فيه دول الخليج أكبر مصدر لوقود الطائرات في العالم

1 عرض المعرض
طائرة تابعة لمجموعة لوفتهانزا
طائرة تابعة لمجموعة لوفتهانزا
طائرة تابعة لمجموعة لوفتهانزا
(Flash90)
تحول وقود الطائرات خلال عام 2026 إلى أحد أكثر المنتجات النفطية تأثرًا بالأزمات العالمية، بعدما أدى اضطراب الإمدادات والتكرير والشحن إلى ارتفاع تكاليف السفر بالطائرات وأسعار التذاكر. ولم تعد الأزمة مرتبطة بأسعار النفط الخام فقط، بل امتدت إلى انخفاض قدرة المصافي على تلبية الطلب، وتراجع المخزونات في الأسواق الرئيسية، وتأثير التوترات الجيوسياسية في حركة التجارة والطيران.
ويُعد وقود الطائرات منتجًا نفطيًا مكررًا ينتمي إلى عائلة الكيروسين، ويستخدم في الطائرات التجارية والعسكرية والطائرات المزودة بمحركات توربينية. ويختلف عن بنزين الطائرات المستخدم في بعض الطائرات الصغيرة، إذ يتميز بكونه أقل تطايرًا وأكثر ملاءمة للعمل في درجات الحرارة المنخفضة على ارتفاعات تتجاوز 10 آلاف متر. ويُستخدم نوع “Jet A” بصورة رئيسية في الولايات المتحدة، بينما يُستخدم “Jet A-1” على نطاق أوسع في الرحلات الدولية.
ويُنتج وقود الطائرات داخل المصافي بعد تكرير النفط الخام، إذ يُفصل الكيروسين عن باقي المكونات ثم يخضع لمعالجات لإزالة الكبريت والشوائب وتحسين ثباته وخفض درجة تجمده، بما يضمن أداءه في ظروف الطيران. وتستطيع المصافي تعديل كميات إنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات ضمن حدود معينة، لكن هذه المرونة تبقى محدودة.
وترجع الأزمة إلى عدة عوامل متزامنة، أبرزها تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز في نهاية فبراير 2026 بسبب الحرب على إيران، في وقت تعد فيه دول الخليج أكبر مصدر لوقود الطائرات في العالم، حيث صدرت 3.3 ملايين برميل يوميًا من المنتجات النفطية المكررة خلال عام 2025، بينما بلغ متوسط صافي صادرات الشرق الأوسط من وقود الطائرات 400 ألف برميل يوميًا، ما جعل المنطقة أكبر مورد لهذا الوقود عالميًا.
كما تفاقمت الأزمة نتيجة إغلاق مصافٍ قديمة، وأعمال الصيانة، والهجمات التي استهدفت منشآت روسية، ونقص بعض أنواع النفط الخام المناسبة لإنتاج الكيروسين، إضافة إلى خفض بعض المصافي معدلات التشغيل بسبب صعوبة الحصول على النفط الخام أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
وفي الوقت نفسه، ارتفع الطلب العالمي على وقود الطائرات إلى 7.7 ملايين برميل يوميًا خلال عام 2025، مدفوعًا بانتعاش السفر الدولي والموسم السياحي، ليسجل أسرع معدل نمو بين المنتجات النفطية الرئيسية بنسبة 2.1%. كما بلغت قيمة سوق وقود الطيران العالمية 473.2 مليار دولار خلال العام نفسه، في وقت يرتفع فيه الطلب خلال الصيف والعطلات، وهو ما يزيد الضغوط على الإمدادات.
وتعد أوروبا الأكثر عرضة لنقص وقود الطائرات بسبب اعتمادها الكبير على الواردات، إذ تكفي مخزوناتها لأقل من 30 يومًا، وهي أدنى مدة تغطية بين الأسواق الكبرى. كما تواجه القارة العجوز عجزًا يقترب من 600 ألف برميل يوميًا خلال الربع الثالث من عام 2026، رغم ارتفاع الواردات من الولايات المتحدة وآسيا وكندا وكوريا الجنوبية، وزيادة الإنتاج المحلي، خاصة في إيطاليا. وبلغت واردات أوروبا 673 ألف برميل يوميًا خلال يونيو 2026.
وأدت الحرب والتوترات في مضيق هرمز والبحر الأحمر وممرات الشحن الأخرى إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وإطالة زمن الرحلات البحرية، ما أجبر السفن على تغيير مساراتها وأدى إلى زيادة استهلاك الوقود وتأخير وصول الشحنات. ونتيجة لذلك، بلغ السعر العالمي لوقود الطائرات 119.13 دولارًا للبرميل خلال الأسبوع الماضي، في وقت يتوقع فيه “الاتحاد الدولي للنقل الجوي” أن يبلغ متوسط السعر السنوي 152 دولارًا للبرميل، بزيادة تقارب 70% مقارنة مع متوسط عام 2025 البالغ 90 دولارًا.
سفينة خفر سواحل أمريكية ووراءها سفينة شحن في مضيق هرمز، الصورة: ويكيميديا
سفينة خفر سواحل أمريكية ووراءها سفينة شحن في مضيق هرمز، الصورة: ويكيميديا
وفي الولايات المتحدة، ارتفع متوسط السعر الذي دفعته شركات الطيران إلى 4.09 دولارات للغالون خلال مايو 2026، مقارنة مع 2.21 دولار في مايو 2025، بزيادة 85%. كما ارتفعت فاتورة الوقود الشهرية لشركات الطيران الأمريكية إلى 6.66 مليارات دولار رغم انخفاض الاستهلاك 0.6%، قبل أن يتراجع متوسط السعر إلى 2.88 دولار للغالون في مطلع يوليو.
ويتوقع “الاتحاد الدولي للنقل الجوي” ارتفاع فاتورة الوقود العالمية لشركات الطيران من 252 مليار دولار في عام 2025 إلى 350 مليار دولار في عام 2026، بزيادة تقارب 40%. ويشكل الوقود عادة 25%-30% من تكاليف تشغيل شركات الطيران، ما دفع العديد منها إلى رفع أسعار التذاكر ورسوم الوقود والأمتعة، وتقليص بعض الرحلات الأقل ربحية، وتشغيل طائرات أكثر كفاءة، وإعادة التفاوض على عقود التوريد، بينما وفرت عقود التحوط حماية مؤقتة لبعض الشركات، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا انخفضت الأسعار لاحقًا.
وتتصدر الولايات المتحدة إنتاج وقود الطائرات عالميًا، إذ وصل إنتاج مصافيها إلى 1.8 مليون برميل يوميًا في بعض أسابيع مارس 2026، وأصبحت موردًا رئيسيًا لأوروبا وأمريكا اللاتينية. كما تعد الصين من أكبر المنتجين والمستهلكين، واستهلكت 323 مليون برميل خلال عام 2025، بعدما بلغ استهلاكها 311.49 مليون برميل في 2024، مع توقع ارتفاعه إلى 594.75 مليون برميل بحلول عام 2040. وفي يوليو 2026، أعادت الصين هيكلة منظومة وقود الطيران عبر دمج أكبر موزع محلي مع أنشطة شركة “سينوبك” لتعزيز أمن الإمدادات وخفض التكاليف.
وتبرز كوريا الجنوبية والهند أيضًا بين كبار المنتجين والمصدرين، وتؤدي السعودية والإمارات والكويت وقطر وعُمان دورًا محوريًا في صادرات وقود الطائرات بفضل توسع طاقات التكرير وموقعها على طرق التجارة العالمية. كما تمتلك روسيا قطاع تكرير كبيرًا، إلا أن العقوبات والهجمات على المصافي قلصت دورها، بينما تمثل سنغافورة مركزًا عالميًا لتكرير الوقود وتخزينه وإعادة تصديره، وتعد هولندا وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا من أبرز مراكز الإنتاج والتوزيع في أوروبا، رغم استمرار اعتماد القارة على الواردات.
ورغم أن السوق بدأت تستعيد جزءًا من توازنها خلال يونيو 2026 مع زيادة إنتاج المصافي وارتفاع الصادرات من الولايات المتحدة وآسيا، فإن الأزمة لم تنتهِ بعد. فما تزال المخزونات الأوروبية منخفضة، كما يعتمد استقرار السوق على استمرار الملاحة عبر مضيق هرمز وعدم تعرض المصافي أو الموانئ لاضطرابات جديدة. وقد تتراجع الأسعار خلال النصف الثاني من عام 2026 مع انخفاض الطلب الموسمي وزيادة إنتاج المصافي وإعادة بناء المخزونات، إلا أن أي تصعيد جيوسياسي أو تعطل جديد في المصافي قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع مجددًا.