أظهرت معطيات جديدة تصاعدا واضحا في توجه أبناء المجتمع العربي إلى مراكز الدعم والاستشارة النفسية خلال الحرب الحالية، في تطور تقول جهات مهنية إنه يفوق ما سُجل في حروب وعمليات عسكرية سابقة. وفي هذا السياق، أكدت ليلى سواعد، العاملة الاجتماعية والمعالجة النفسية المتخصصة في التدخل في الأزمات والطوارئ في جمعية "موارد"، أن الإقبال على خدمات الدعم النفسي ارتفع بشكل كبير، خاصة في البلدات العربية في الشمال.
وقالت سواعد في مقابلة مع راديو الناس: "سجلنا ارتفاعا بنسبة 200% في التوجهات من المجتمع العربي، وهذه المعطيات لم تأت من فراغ، بل هي نتيجة عمل متواصل على مدار سنوات في مجال الإتاحة والتهيئة للصحة النفسية".
خدمات عربية أكثر قربا من الناس
ليلى سواعد: ارتفاع التوجهات بنسبة 200% يعكس ضغطا متراكما من الحرب والعنف والجريمة
استوديو المساء مع شيرين يونس
07:25
وأوضحت سواعد أن أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا الارتفاع يتمثل في ازدياد الوعي بإمكانية تلقي الدعم النفسي باللغة العربية، إلى جانب الحضور المستمر للجمعية في الميدان، وليس فقط في فترات الحرب. وأضافت: "نحن جسم موجود طوال الوقت، وليس فقط في أوقات الحروب، وهذا ما عزز ثقة الناس بنا. أصبحت الخدمات معروفة، والمعالجون معروفين، وصار التوجه إلينا أسهل وأكثر حضورا". وأشارت إلى أن هذا القرب من الناس ساهم في كسر بعض الحواجز التقليدية المرتبطة بطلب المساعدة النفسية داخل المجتمع العربي.
الأمهات وأهالي ذوي الاحتياجات الخاصة في الواجهة
وبحسب سواعد، فإن الفئات الأكثر توجها لطلب المساندة النفسية هي أمهات الأطفال الصغار، إلى جانب أهالي الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، لا سيما البالغين منهم، في ظل تعطل الأطر والخدمات وازدياد الأعباء اليومية على الأسر. وقالت: "نلاحظ أن المتوجهين في الغالب هم أمهات لأطفال صغار، وكذلك أهالي أشخاص ذوي احتياجات خاصة، وخصوصا من فئة البالغين، لأنهم يواجهون صعوبات مضاعفة في ظل الظروف الراهنة".
تشخيص أولي عبر الهاتف وتحويل للعلاج المتخصص
وفي ما يتعلق بآلية العمل، أوضحت سواعد أن خط الدعم النفسي يوفر استجابة أولية علاجية عبر الهاتف، حيث تقوم المعالجات بتشخيص الحالة مهنيا خلال المحادثة الأولى، وقد يكتفى أحيانا بجلسة واحدة، بينما تُمنح حالات أخرى ثلاث محادثات متتابعة. وإذا تبين أن الحالة تحتاج إلى متابعة أعمق، تُحال إلى مسار علاجي أوسع قد يصل إلى 12 لقاء علاجيا. وقالت: "المعالجات المتمرسات يستطعن إجراء تشخيص أولي عبر الهاتف، وفي بعض الحالات ينتهي التدخل في المحادثة نفسها، وفي حالات أخرى ننتقل إلى متابعة علاجية أوسع".
الحرب تكشف أزمات أعمق من اللحظة الراهنة
وشددت سواعد على أن التوجهات الحالية لا ترتبط بالحرب وحدها، بل تكشف عن تراكمات نفسية واجتماعية أعمق، مرتبطة أيضا بالعنف والجريمة والأزمات المستمرة التي يعيشها المجتمع العربي. وقالت: "صحيح أن التوجه يبدأ من الحرب، لكن عندما نفحص الحالة نكتشف وجود فقدان وصدمات قديمة وأمور لم تُعالج من قبل. الحرب والضغط المستمر يخرجان هذه الصدمات إلى السطح". وأضافت أن بعض الحالات لا يكفي معها التدخل الهاتفي السريع، بل تحتاج إلى علاج معمق يتناول الصدمات المتراكمة على مدى سنوات.
حرب طويلة وضغط لا ينتهي
وعن أسباب ارتفاع التوجهات هذه المرة مقارنة بجولات سابقة، أشارت سواعد إلى أن الحرب الحالية أطول زمنا وأوسع جغرافيا، لكنها رأت أن العامل الأهم هو أن الضغط في المجتمع العربي لم يبدأ مع الحرب ولم ينته معها. وقالت: "الحرب لم تنته عندنا فعليا، فإلى جانبها هناك أيضا العنف والجريمة وضغط يومي مستمر. نحن نعيش في حالة ضغط لم تتوقف، والحرب زادت هذه الحالة تعقيدا". وأضافت أن هذا الواقع المتواصل جعل الناس أكثر إنهاكا، وأكثر حاجة إلى مساحات آمنة للدعم والاحتواء.
المهنيون أيضا تحت الضغط
ولفتت سواعد إلى أن التأثير النفسي لا يقتصر على المتوجهين لطلب العلاج، بل يشمل أيضا الطواقم المهنية نفسها، لأن المعالجين يعيشون الواقع نفسه ويتعرضون للمخاوف ذاتها. وقالت: "حتى المهنيون موجودون في الواقع المشترك نفسه، ويعيشون الخوف والضغط ذاتهما. نحن لا نتحدث عن معالج يقف خارج الصدمة، بل عن شخص يعيش الحرب نفسها ويحاول في الوقت ذاته أن يساعد الآخرين". واعتبرت أن استمرار هذا الوضع يراكم الإرهاق النفسي والجسدي لدى الجميع، سواء كانوا متلقين للخدمة أو مقدميها.
حالة تأهب دائمة تستنزف الجسد والنفس
وأضافت أن العيش في حالة استعداد دائم بات جزءا من الحياة اليومية في المجتمع العربي، وهو ما ينعكس مباشرة على الصحة النفسية والجسدية. وقالت: "أصبحنا في حالة تأهب مستمرة، والجسد لا يستطيع أن يبقى طوال الوقت في هذه الحالة. هذا ما يولد القلق المفرط، ويجعل الناس منهكين نفسيا وجسديا". وأشارت إلى أن هذا الاستنزاف المزمن يفسر جانبا من الارتفاع الكبير في طلبات الاستشارة والدعم خلال هذه المرحلة.
طلب المساعدة دليل وعي لا ضعف
ووجهت سواعد رسالة مباشرة إلى الجمهور، دعت فيها إلى عدم التردد في طلب المساعدة النفسية عند الشعور بأن الضغوط تجاوزت القدرة على الاحتمال. وقالت: "طلب المساعدة هو قوة، وهو دليل وعي، وليس علامة ضعف. حين أعرف أن قدرتي على التحمل قد استنفدت، فإن التوجه للمساعدة هو خطوة صحيحة ومسؤولة". كما شددت على أهمية تخفيف التعرض المستمر للأخبار والضغوط، وإتاحة فسحات بسيطة للراحة والتنفس من أجل استعادة الحد الأدنى من التوازن النفسي.
دعوة إلى توسيع الوصول للخدمة
وأكدت سواعد أن جمعية "موارد" تقدم خدماتها الأولية لكل المجتمع العربي، مع تحويل الحالات التي تحتاج إلى متابعة أطول إلى المراكز المناسبة بحسب المنطقة ونوع الخدمة المطلوبة. كما جرى خلال المقابلة التذكير بخط الطوارئ والدعم النفسي الذي توفره الجمعية، في محاولة لتوسيع الوصول إلى الخدمة وتخفيف العبء النفسي المتفاقم في ظل الحرب.


