من فرنسا إلى إيطاليا: موجة احتجاجات تجتاح أوروبا

تتسع موجة الاحتجاجات في أوروبا، من فرنسا إلى إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا وألبانيا، على خلفية غلاء المعيشة وأزمة السكن وتراجع الخدمات العامة، وسط مواجهات متزايدة مع الشرطة وإجراءات أمنية مشددة.

1 عرض المعرض
حشود في باريس وسط الغاز المسيل للدموع
حشود في باريس وسط الغاز المسيل للدموع
حشود في باريس وسط الغاز المسيل للدموع
(ويكيميديا)
تشهد عدة دول أوروبية موجة احتجاجات واسعة، يقود معظمها شبان يطالبون بخفض تكاليف المعيشة وتحسين الخدمات العامة وتوفير السكن بأسعار معقولة، وسط مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب في عدد من المدن، فيما فرضت السلطات الفرنسية حظر تجول جزئيًا في بعض المناطق.
وامتدت الاحتجاجات إلى إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا وألبانيا، في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الطاقة والسكن، إلى جانب أزمات تواجه أنظمة التعليم والخدمات الحكومية.
وتتزامن هذه التحركات مع ارتفاع مستويات الدين العام في عدد من الدول الأوروبية، ما يقيّد قدرة الحكومات على زيادة الإنفاق وتحسين الخدمات، ويعمّق حالة الاستياء، ولا سيما لدى الأجيال الشابة.
إيطاليا: مواجهات مع الشرطة واعتقالات
وشهدت مدن إيطالية، بينها ميلانو وتورينو وروما وبولونيا وبرغامو، مظاهرات احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود وجمود الأجور وأزمة السكن. وتحوّلت بعض المظاهرات إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة، خصوصًا في ميلانو، حيث استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المحتجين، فيما تعرّضت متاجر لأعمال تخريب ونهب.
وأفادت وكالة "رويترز" بأن الشرطة الإيطالية اقتادت 271 شخصًا إلى مراكزها خلال اضطرابات الأحد في ميلانو، وأوقفت 32 منهم، بينهم 23 قاصرًا، فيما أدانت رئيسة الحكومة الإيطالية، جورجيا ميلوني، أعمال العنف، متهمة من وصفتهم بـ"مثيري الشغب" باستغلال الاحتجاجات لنشر الفوضى، وقالت إن "التظاهر حق، لكن إحراق مدننا ليس كذلك".
في المقابل، أقرّ رئيس بلدية ميلانو، جوزيبي سالا، بمشروعية الأسباب التي دفعت المواطنين إلى الاحتجاج، مع رفضه الاعتداءات على الشرطة والممتلكات.
وتواجه إيطاليا ضغوطًا اقتصادية متزايدة، في ظل ارتفاع الدين العام إلى نحو 139% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب أزمة سكن متفاقمة. وبحسب المعطيات التي أوردتها صحيفة "كالكاليست" الإسرائيلية، يواجه ملايين الإيطاليين صعوبات مالية نتيجة تخصيص جزء كبير من دخولهم لتسديد الإيجارات أو أقساط القروض السكنية.
إسبانيا والبرتغال: السكن يشعل الشارع
وتتصدر أزمة السكن مطالب المحتجين في إسبانيا والبرتغال، حيث أدت الزيادات الحادة في الإيجارات وأسعار العقارات إلى اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
وفي إسبانيا، تصاعدت الاحتجاجات عقب إخلاء امرأة تبلغ من العمر 87 عامًا من منزلها في مدريد بسبب ارتفاع الإيجار، قبل وفاتها لاحقًا، في قضية أثارت غضبًا واسعًا وأصبحت رمزًا لأزمة السكن. وأعلن رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، إجراء انتخابات مبكرة في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، بعد فشل تمرير تشريعات لحماية المستأجرين في البرلمان.
وفي البرتغال، شارك عشرات الآلاف في مسيرة احتجاجية بالعاصمة لشبونة، دعت إليها نقابة العمال الكبرى "CGTP"، للمطالبة برفع الأجور واتخاذ إجراءات لمواجهة ارتفاع أسعار السكن والمواد الأساسية. كما أقام محتجون مخيمات احتجاجية للتعبير عن عجز الشباب والعائلات عن تحمّل تكاليف السكن.
ونقلت "رويترز" عن طالبة دكتوراه في علم الأحياء، تبلغ من العمر 26 عامًا، أنها تتقاضى 1300 يورو شهريًا، لكنها تواجه صعوبة في تغطية نفقاتها، مشيرة إلى أن مالك المنزل الذي تقيم فيه مع شريكها يعتزم رفع الإيجار الشهري من 716 إلى 1200 يورو.
بلجيكا: غضب طلابي وأزمة في الميزانية
شهدت العاصمة البلجيكية بروكسل ومدينة لييج مظاهرات نظمها طلاب وتلاميذ احتجاجًا على اكتظاظ الصفوف الدراسية ونقص المعلمين وارتفاع رسوم التسجيل في الجامعات. وتخللت بعض الاحتجاجات مواجهات مع الشرطة، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين.
وتأتي التحركات وسط أزمة مالية تواجه الحكومة البلجيكية، مع استمرار الخلافات بين أحزاب الائتلاف بشأن إجراءات خفض الإنفاق والعجز العام.
ألبانيا: مطالب بإسقاط الحكومة
وفي ألبانيا، شهدت العاصمة تيرانا احتجاجات طلابية ومواجهات مع الشرطة، طالب خلالها المتظاهرون باستقالة رئيس الحكومة إيدي راما، متهمين إياه بالفساد والفشل في توفير فرص العمل وتحسين ظروف التعليم.
وتأتي هذه الاحتجاجات امتدادًا لتحركات سابقة شهدتها البلاد ضد مشروع سياحي فاخر ارتبط بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في جزيرة سازان، وسط اعتراضات بيئية واتهامات للحكومة بتغليب مصالح المستثمرين.
فرنسا: حظر تجول جزئي خشية تجدد المواجهات
وفي فرنسا، فرضت السلطات حظر تجول جزئيًا في عدد من المدن، بينها باريس ونيس، في محاولة لمنع تجدد المواجهات التي شهدتها البلاد خلال عطلة نهاية الأسبوع. وجاءت القيود بعد احتجاجات واسعة تحوّل بعضها إلى أعمال نهب وإحراق مبانٍ عامة ومتاجر ومواجهات عنيفة مع الشرطة.
وأعلن رئيس الوزراء الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، اعتماد إجراءات أمنية محلية ومحدودة، بدلًا من فرض حظر شامل أو إعلان حالة الطوارئ، فيما تتواصل الضغوط على الحكومة لمعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للاحتجاجات.
وتعكس موجة الاحتجاجات المتزامنة في أوروبا تصاعد غضب الأجيال الشابة من تراجع فرص الحصول على السكن والعمل والخدمات العامة، في وقت تواجه فيه الحكومات صعوبة متزايدة في تحقيق التوازن بين ضبط الإنفاق والاستجابة للمطالب الاجتماعية.