كشفت معطيات جديدة عن ارتفاع حاد في أعداد الأطباء الذين يغادرون إسرائيل للعمل والإقامة في الخارج، إذ غادر 1369 طبيبًا خلال الأعوام 2023–2025، بزيادة بلغت 94% مقارنة بالفترة المماثلة قبل عقد، وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة على الجهاز الصحي، ولا سيما في مجالات الطب النفسي والأورام والجراحة، وفي مستشفيات كبرى بينها إيخيلوف وبيلينسون.
وبحسب تقرير نشره موقع "واينت" ، اليوم الاثنين، فإن استطلاعًا أجرته نقابة الأطباء الإسرائيلية كشف عن مغادرة عشرات الأطباء للمستشفيات خلال الفترة التي أعقبت السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما أظهرت دراسة أوسع أجرتها جامعة تل أبيب أن ظاهرة هجرة الأطباء آخذة في الاتساع، وتشمل أيضًا أطباء ذوي خبرة ومناصب مهنية متقدمة.
وحذّر رئيس نقابة الأطباء الإسرائيلية، البروفيسور تسيون حغاي، من خطورة هذه الظاهرة، قائلًا: "نرى في ذلك خطرًا استراتيجيًا على دولة إسرائيل".
ارتفاع بنسبة 94% في هجرة الأطباء
وأظهرت دراسة أجرتها جامعة تل أبيب، استنادًا إلى بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، أن 1369 طبيبًا غادروا إسرائيل لمدة سنة على الأقل بين عامي 2023 و2025، علمًا بأن بيانات عام 2025 تستند إلى تقديرات.
ويمثل هذا العدد ارتفاعًا بنسبة 94% مقارنة بالفترة الممتدة بين عامي 2013 و2015، التي شهدت مغادرة 705 أطباء.
كما كشفت الدراسة عن ارتفاع نسبة الأطباء الذين تبلغ أعمارهم 45 عامًا فما فوق بين المغادرين، من 14% قبل عقد إلى نحو 20% خلال الفترة الأخيرة، ما يعزز المخاوف من فقدان أطباء أصحاب خبرة طويلة في العلاج والتدريب وإدارة الأقسام الطبية.
وسجلت تخصصات الأنف والأذن والحنجرة والأمراض الجلدية وطب العيون أعلى معدلات المغادرة، إذ بلغت نسبة الأطباء الذين غادروا إسرائيل في هذه التخصصات، ممن تقل أعمارهم عن 60 عامًا، نحو 9.4%.
مستشفيات إيخيلوف وبيلينسون وشِيبا في دائرة التأثر
وفي استطلاع منفصل أجرته نقابة الأطباء الإسرائيلية، وشمل الفترة من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى نهاية عام 2024، تبين أن 50 طبيبًا غادروا المستشفيات الإسرائيلية وانتقلوا إلى الخارج.
ومن بين هؤلاء، كان 14 طبيبًا يعملون في مستشفيي إيخيلوف وبيلينسون، وهما من أبرز المراكز الطبية في منطقة المركز.
وشمل الاستطلاع 36 مستشفى عامًا ونفسيًا وتأهيليًا، استجابت منها 32 مؤسسة طبية، فيما اقتصرت البيانات على تقارير إدارات المستشفيات ولم تشمل أطباء العيادات والمراكز الصحية المجتمعية.
وكشف الاستطلاع أيضًا عن 53 طبيبًا سافروا إلى الخارج لاستكمال تدريبات تخصصية متقدمة، لكنهم لم يعودوا في المواعيد المحددة.
وكان من بينهم 20 طبيبًا من مستشفى إيخيلوف و15 من مستشفى شيبا، ما يعني أن المستشفيين استحوذا على نحو ثلثي حالات تأخر العودة المسجلة.
الطب النفسي من أكثر المجالات تضررًا
ويُعد الطب النفسي من أبرز التخصصات المتأثرة بهجرة الأطباء، في وقت يشهد فيه الجهاز الصحي ارتفاعًا كبيرًا في الطلب على خدمات الصحة النفسية.
وقالت نائبة رئيس نقابة الأطباء ورئيسة اتحاد الطب النفسي في إسرائيل، الدكتورة مارينا كوبتشيك، إن أربع طبيبات غادرن المستشفى الذي تعمل فيه خلال العام الماضي، ثلاث منهن متخصصات في الطب النفسي للأطفال والرابعة في الطب النفسي للبالغين.
وأوضحت أن الطبيبات انتقلن إلى نيوزيلندا وهولندا والولايات المتحدة.وبحسب كوبتشيك، فإن معظم الأطباء النفسيين الذين يغادرون إسرائيل هم من الفئات العمرية الشابة، ولديهم في المتوسط ثلاثة أطفال.
وأشارت إلى أن نيوزيلندا وأستراليا وبريطانيا تُعد وجهات جذابة للأطباء النفسيين، نظرًا إلى إمكانية ممارسة المهنة دون الحاجة إلى إعادة التدريب التخصصي بالكامل.
أما في الولايات المتحدة وكندا، فرغم تعقيد الإجراءات المهنية، فإن بعض الأطباء الذين انتقلوا إليهما يواصلون تقديم العلاج لمرضى في إسرائيل عن بُعد، عبر تطبيقات الاتصال المرئي، وبموجب اتفاقيات مع صناديق المرضى.
وأضافت أن استمرار هؤلاء الأطباء في تقديم خدماتهم للمرضى داخل إسرائيل، إلى جانب حصولهم على دخل جيد في الخارج، قد يقلل من دوافع عودتهم.
لماذا يغادر الأطباء إسرائيل؟
وأوضحت كوبتشيك أن الأسباب الاقتصادية ليست العامل الأساسي وراء قرار الهجرة، مشيرة إلى أن أبرز الدوافع تشمل الأوضاع الأمنية، والقلق على مستقبل الأطفال، وضغوط العمل، والإرهاق المهني، والرغبة في تطوير المسار التخصصي.
وقالت إن كثيرًا من الأطباء النفسيين باتوا يفضلون التخصص في مجالات مثل اضطرابات الأكل واضطرابات ما بعد الصدمة، بدلًا من العمل في أقسام مغلقة تضم عشرات المرضى وتفرض أعباء مهنية كبيرة.
وأضافت أن ظروف العمل في بعض الدول أكثر ملاءمة، موضحة أن الطبيب النفسي في بريطانيا قد يتقاضى راتبًا أقل، لكنه يعمل أربعة أيام أسبوعيًا ضمن وظيفة تُعد بدوام كامل.
وأكدت أن النقص في الأطباء النفسيين كان قائمًا حتى قبل السابع من أكتوبر، لكنه تفاقم مع الارتفاع الكبير في أعداد الأشخاص الذين يطلبون المساعدة النفسية.
كما أشارت إلى أن بعض الأطباء لا يغادرون إسرائيل، لكنهم ينتقلون من الجهاز الصحي العام إلى القطاع الخاص، هربًا من ضغط العمل والإرهاق وتدني الأجور نسبيًا.
هجرة أطباء الأورام وأصحاب الخبرة تثير القلق
ولم تقتصر الظاهرة على الطب النفسي، إذ أظهرت نتائج الاستطلاع تأثر تخصصات الطب الباطني والجراحة والأنف والأذن والحنجرة وأمراض الجهاز الهضمي والأورام.
وقال البروفيسور عيدو وولف، ممثل الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للطب العلمي، إن ما بين ستة وعشرة أطباء في مجال الأورام غادروا إسرائيل ولم يعودوا حتى الآن.
وأشار إلى أن بعض هؤلاء الأطباء حصلوا على فرص مهنية متقدمة وإقامات دائمة وعروض لتولي مناصب إدارية، لكنهم فضلوا البقاء في الخارج.
وأوضح أن المخاوف المتعلقة بالأمن الشخصي وتعليم الأطفال ومستقبل العائلات تتكرر في أحاديثه مع الأطباء المغادرين.
من جانبه، حذّر رئيس منظمة أطباء الدولة، الدكتور زئيف فيلدمان، من أن عدم عودة الأطباء بعد استكمال تدريباتهم المتقدمة قد يؤثر في الجهاز الصحي على المديين المتوسط والبعيد.
وأشار إلى أن ما بين 70 و100 طبيب من أصل نحو ألفي طبيب متدرب يسافرون سنويًا إلى مراكز طبية عالمية لاستكمال تخصصاتهم، على أن يعودوا لاحقًا للمساهمة في تطوير الأبحاث والتقنيات الطبية وتولي المناصب القيادية.
وأكد أن مغادرة أطباء ذوي خبرة، بمن فيهم مديرو أقسام ووحدات طبية، قد تؤثر أيضًا في تدريب الأجيال المقبلة من الأطباء.
وزارة الصحة ترصد ارتفاعًا في طلبات الوثائق اللازمة للعمل بالخارج
وقالت الدكتورة أورلي غرينفيلد، المسؤولة عن ترخيص المهن الطبية في وزارة الصحة الإسرائيلية، إن الوزارة ترصد ارتفاعًا كبيرًا في طلبات الحصول على شهادات حسن السيرة والسلوك المطلوبة ضمن إجراءات السفر للتخصص في الخارج.
وأوضحت أن تقديم هذه الطلبات لا يعني بالضرورة أن جميع أصحابها سيغادرون إسرائيل، لكنها اعتبرت الزيادة مؤشرًا يستدعي الاهتمام.
وشددت على أهمية الحفاظ على التواصل المهني مع الأطباء الموجودين في الخارج، والعمل على تشجيع الراغبين منهم في العودة قبل مغادرتهم وخلال فترة تدريبهم.
خطة لاستعادة الأطباء وتحذير من خطر استراتيجي
وأعلن رئيس نقابة الأطباء، البروفيسور تسيون حغاي، اعتزام النقابة تشكيل منتدى متخصص لدراسة ظاهرة هجرة الأطباء، وجمع المعلومات من الجهات المعنية، وبلورة حلول للحد منها وتشجيع الأطباء على العودة.
بدوره، دعا الدكتور فيلدمان إلى تعاون وزارة الصحة ووزارة المالية والجامعات لوضع حزمة حوافز مهنية ومعيشية للأطباء العائدين.
وتشمل المقترحات توفير وظائف طبية وأكاديمية، ومنح بحثية، وفرص عمل لأزواج الأطباء وزوجاتهم، إلى جانب المساعدة في السكن وتعليم الأطفال.
كما أشار رئيس اتحاد مديري المستشفيات، البروفيسور ميكي دودكفيتش، إلى ضرورة تحسين بيئة العمل داخل المستشفيات، وتقليل المهام الإدارية التي تستنزف وقت الأطباء، وتوفير فرص أكبر للبحث العلمي والتطوير المهني.
وتعكس المعطيات اتساع التحديات التي تواجه الجهاز الصحي الإسرائيلي، في ظل ارتفاع هجرة الكفاءات الطبية وتزايد الطلب على الخدمات الصحية، خصوصًا في مجال الصحة النفسية. ويحذر مسؤولون في القطاع من أن استمرار الظاهرة قد يؤدي إلى تفاقم النقص في الأطباء، وإضعاف قدرات المستشفيات على تقديم الخدمات وتدريب الكوادر الطبية مستقبلًا.


