كشف تقرير "ملامح المجتمع" الصادر عن الهيئة المركزية للإحصاء، اليوم، صورة مقلقة لتداعيات الحرب التي اندلعت عقب أحداث السابع من أكتوبر، مسلطًا الضوء على آثار عميقة طالت الصحة الجسدية والنفسية، والأمن الشخصي، والاقتصاد، والسكن، والسياحة، مع تفاوت واضح بين أوضاع الجنوب والشمال.
الصحة الجسدية والنفسية: انخفاض متوسط العمر وقفزة في الاضطرابات النفسية
أظهر التقرير أن الحرب لم تحصد الأرواح فحسب، بل انعكست أيضًا على المؤشرات الصحية العامة. ففي عام 2023، ومع احتساب قتلى الحرب، انخفض متوسط العمر المتوقع في إسرائيل بنحو نصف عام، ليبلغ 83.3 سنة، مقارنة بـ83.8 سنة لولا خسائر الحرب، وهو انخفاض استمر أيضًا خلال عام 2024.
وسُجّلت في عام 2024 زيادة بنسبة 13.5% في عدد المسجلين ضمن سجل الأشخاص ذوي الإعاقة، ليصل العدد إلى نحو 1.32 مليون شخص. إلا أن المعطى الأكثر لفتًا كان الارتفاع الحاد في عدد متلقي المخصصات بسبب الحرب، من 4,200 شخص فقط في 2023 إلى نحو 29,900 في 2024.
كما ارتفع عدد مصابي الجيش بنسبة 3.9%، مع قفزة كبيرة في الإصابات النفسية بلغت 18.1%، وغالبية المصابين الجدد من فئة الشباب بين 25 و39 عامًا.
وعلى صعيد الصحة النفسية العامة، أفاد 33.9% من الجمهور في عام 2024 بشعورهم بالاكتئاب، مقارنة بـ25.5% في العام السابق، فيما ارتفعت نسبة الشعور بالضغط النفسي من 58.2% إلى 68%.
وأشارت 52% من زوجات جنود الاحتياط إلى تدهور الحالة النفسية لأطفالهن، بينما أبلغت 34% عن صعوبات اقتصادية نتيجة الخدمة العسكرية.
الأمن الشخصي والثقة بالمؤسسات: قلق متزايد وتراجع في الثقة
بين أكتوبر 2023 وسبتمبر 2024، غادر البلاد نحو 79,900 إسرائيلي، بزيادة تقارب 7% مقارنة بالعام الذي سبق الحرب، في حين تراجع عدد العائدين إلى البلاد بنحو 20% ليصل إلى حوالي 19,900 فقط.
وسجّل مستوى الثقة بالحكومة أدنى مستوياته منذ عقد، إذ لم يتجاوز 24.6%، كما انخفضت الثقة بالجهاز القضائي، مع ملاحظة استثناء لافت في بلدات الشمال حيث سُجل ارتفاع نسبي في الثقة بالقضاء.
وأعرب نحو 33% من الإسرائيليين عن خشيتهم من التعرض لعمليات لاعتداءات في مناطق سكنهم. وفي محيط قطاع غزة، انهارت مشاعر الأمن الشخصي من 84.6% قبل الحرب إلى 65.2% في عام 2024.
الجنوب يتعافى نسبيًا والشمال في أزمة عميقة
أوضح التقرير أن عدد المهجّرين من الجنوب انخفض بشكل حاد في عام 2024 إلى نحو 4,400 شخص فقط، ما يعكس مؤشرات تعافٍ تدريجي في منطقة غلاف غزة. في المقابل، تفاقمت الأزمة في الشمال، حيث ارتفع عدد المهجّرين من البلدات الواقعة حتى 5 كيلومترات من الحدود اللبنانية إلى نحو 63,100 شخص.
وفي حين شهدت بلدات غلاف غزة انتعاشًا في مبيعات الشقق وإصدار تصاريح البناء، سجلت بلدات الحدود الشمالية تراجعًا حادًا في سوق العقارات، ولم تعد إلى مستويات ما قبل الحرب.
كما قدّر نحو 50% من سكان بلدات الشمال (حتى 15 كيلومترًا من الحدود) أن أوضاعهم الاقتصادية ستزداد سوءًا، مقابل نحو 40% في محيط غزة.
الاقتصاد والسياحة: انهيار غير مسبوق
على الصعيد الاقتصادي، سجلت السياحة ضربة قاسية؛ إذ شهد أكتوبر 2023 انخفاضًا حادًا في أعداد الزائرين، واستمر التراجع خلال 2024 مع انخفاض بنسبة 69.9% مقارنة بعام 2023.
أما عدد ليالي المبيت السياحية، فقد تراجع بنسبة 76% في 2024، في وقت حلّ فيه المهجّرون محل السياح، مسجلين نحو 7.5 ملايين ليلة مبيت في الفنادق.
كما ارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 65.9% في عام 2024، مقارنة بنحو 60% في العام السابق، ما يعكس العبء الاقتصادي المتزايد الذي خلّفته الحرب.
خلاصة التقرير
يعكس تقرير "ملامح المجتمع" صورة شاملة لثمن الحرب، لا يقتصر على الخسائر المباشرة، بل يمتد إلى بنية المجتمع وصحته النفسية واستقراره الاقتصادي والجغرافي، مع مؤشرات مقلقة بشكل خاص في شمال البلاد، مقابل تعافٍ بطيء وحذر في الجنوب.


