في أواخر القرن الثامن عشر، عبرت سفينة تحمل نحو 50 طنًا من القمح مضيق الدردنيل باتجاه ما يُعرف اليوم بأوكرانيا. ولكي تمر عبر المضيق بهذه الحمولة المتواضعة، كان على التاجر "أباشطاش باراسارا" أن يدفع للعثمانيين رسومًا مقابل المرور الآمن.
وكانت هذه الضريبة تبلغ نحو 300 آقجة، وهي عملة فضية تعادل اليوم نحو 15 ألف دولار. وشكّلت جزءًا من سلسلة معقدة من الرسوم والتصاريح التي فرضها العثمانيون على السفن العابرة إلى البحر الأسود.
أما اليوم، فيحظر القانون البحري الحديث على الدول فرض رسوم على السفن مقابل المرور عبر المياه الإقليمية. لكن ذلك لم يمنع إيران، بعد 230 عامًا، من الإعلان عن نيتها فرض رسوم تصل إلى مليوني دولار على السفن العابرة مضيق هرمز، وهو ممر مائي مفتوح تمر عبره أكثر من خُمس تجارة النفط والغاز المنقولة بحرًا في العالم.
مسألة معقدة
ونقلت صحيفة "فايننشال تايمز" عن أندرو ريغدن غرين، الشريك في شركة "واتسون فارلي آند ويليامز" المتخصصة في النزاعات البحرية، قوله إن "مسألة فرض رسوم على ممر مائي دولي معقدة وربما غير قانونية"، فيما شدد يوروك إيشيك، محلل الشحن البحري ومؤسس شركة "بوسفوروس أوبزرفر" في إسطنبول، على أنه "لا يمكن فرض رسوم على المرور في ممر مائي طبيعي. مثل هذه الخطوة ستفتح صندوق باندورا"، مضيفًا أنها قد "تقلب قرونًا من القانون البحري".
وجاء الإعلان العلني عن نظام رسوم في مضيق هرمز بعد اتفاق هش لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك عقب أسابيع من القتال أُغلق خلالها المضيق أمام جميع السفن باستثناء عدد محدود وافق عليه الحرس الثوري الإيراني.
وأفاد أشخاص مطلعون على عمليات العبور أن بعض السفن التي مرت قبيل وقف إطلاق النار دفعت رسومًا بشكل متفرق، دون وضوح بشأن عدد السفن التي شملتها هذه العمليات غير المعلنة.
وفي وقت لاحق، أعلنت "اتحاد مصدّري النفط والغاز والبتروكيماويات الإيراني" أن الدفع يجب أن يتم عبر العملات الرقمية لتجنب العقوبات الأميركية.
بدائـل لمضيق هرمز
ومع سعي إيران لفرض سيطرة أكبر على المضيق، جرت مقارنات مع ممرات مائية ضيقة أخرى تفرض رسومًا، مثل مضيق البوسفور في إسطنبول، أو قناتي السويس وبنما.
لكن أندرو سيردي، أستاذ القانون الدولي العام للبحار في جامعة ساوثهامبتون، قال إن هذه الممرات "تخضع لاتفاقيات خاصة بكل منها"، مضيفًا أن "مضيق هرمز يخضع حاليًا، على الأقل، للقانون الدولي العام للبحار".
وخارج إطار الاتفاقيات الخاصة، تُعد الدنمارك الدولة الوحيدة التي فرضت سيطرة مالية على مضيق لفترة طويلة، إذ فرضت منذ عام 1429 رسومًا على السفن العابرة مضيق أوريسند، حيث كان يُطلب من السفن التوقف في مدينة إلسينور ودفع ما بين 1% و5% من قيمة حمولتها للتاج الدنماركي.
وقد توقفت هذه الممارسة بعد ضغوط من الولايات المتحدة، التي أصبحت أكثر نفوذًا، حيث وصف تقرير لمجلس العموم البريطاني آنذاك هذه الرسوم بأنها "الأكثر إثارة للاعتراض بين الضرائب التي تُفرض على التجارة"، معتبرًا أنها "غير عادلة وتتسبب بخسائر كبيرة في الوقت".
وتم التوصل إلى اتفاق في عام 1857 لإنهاء هذه الرسوم، مقابل دفع تعويضات للدنمارك عن خسارة إيراداتها.
قناة السويس الأكثر ربحًا
ولا تزال الرسوم تُفرض حتى اليوم في قناتي السويس وبنما، حيث تدر مليارات الدولارات سنويًا على الجهات المشغّلة، وذلك بموجب اتفاقيات دولية تسمح بفرض رسوم لتغطية تكاليف الصيانة والبنية التحتية.
وقال سيردي: "تمر القنوات عبر أراضٍ خاضعة لسيادة الدول المعنية — مثل بنما ومصر — وبالتالي يحق لها فرض رسوم، وفقًا للاتفاقيات".
وتُعد قناة السويس الأكثر ربحًا بين هذه الممرات، إذ سجلت إيرادات قياسية بلغت 10.3 مليار دولار من رسوم العبور في عام 2023، قبل أن تؤدي التوترات في الشرق الأوسط إلى تراجع حركة الملاحة.
وبالمقارنة، تقدّر شركة "كبلر" أن تحويل مضيق هرمز إلى ممر برسوم قد يدر ما بين 5 و8 مليارات دولار سنويًا على إيران وسلطنة عمان، إذا أمكن التوصل إلى اتفاق.
رسوم مقابل الحماية
ويرى خبراء أن أقرب نموذج لمضيق هرمز هو مضيق البوسفور، الذي يخضع لاتفاقية مونترو، والتي تسمح لتركيا بفرض رسوم على خدمات مثل الإرشاد البحري والفحص الصحي والإنقاذ، وليس على العبور نفسه.
وأشار خبراء إلى أن ما يمكن أن تقدمه إيران فعليًا مقابل هذه الرسوم هو "الحماية" من قواتها العسكرية أو من الألغام المحتملة في الممرات البحرية.
وشبّه جورج ماتشيراس، رئيس قطاع الشحن العالمي في شركة "واتسون فارلي آند ويليامز"، فرض الرسوم من قبل الحرس الثوري الإيراني بأن "يقوم الجيش البريطاني بفرض رسوم على المرور في القناة الإنجليزية".
ولفت إلى أن كلًا من إيران والولايات المتحدة لم تصادقا على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تنظم المرور في الممرات الدولية، مشيرًا إلى أن دونالد ترامب انتقد مطالب إيران بفرض رسوم، لكنه ألمح في الوقت نفسه إلى إمكانية انضمام واشنطن مستقبلًا إلى مشروع مماثل.
كما تختلف طهران وواشنطن بشأن كيفية تطبيق القانون الدولي على مضيق هرمز، إذ لطالما أشارت إيران إلى رغبتها في فرض سيطرة أكبر على هذا الممر الحيوي.
وعند توقيعها على الاتفاقية عام 1982، أصدرت إيران إعلانًا يفيد بأن الدول غير الموقعة — مثل الولايات المتحدة — لا يحق لها التمتع بحرية المرور في المضيق.
خصوصية مضيق هرمز
وتكمن خصوصية مضيق هرمز، بحسب مؤرخين، في أن إيران تسيطر على جانب واحد فقط منه، بخلاف حالات أخرى تسيطر فيها الدول على ضفتي الممر.
وفي هذا السياق، قالت هيلين دو، مؤرخة بحرية في جامعة إكستر: "لطالما كانت هناك صراعات تاريخية بسبب هذه النقاط الضيقة".
وأعربت حكومات خليجية وغربية، إلى جانب شركات الشحن، عن رفضها لأي قيود على هذا الممر الذي كان مفتوحًا سابقًا، حيث قال فيليب بيلتشر، المدير البحري في اتحاد ناقلات النفط المستقلة: "لا نعتقد أن فرض رسوم يتماشى مع القانون الدولي، وسنعارض ذلك".
وأضاف: "نستغرب أن يكون فرض رسوم أو سيادة على المضيق نقطة انطلاق للمفاوضات".




