شهدت العاصمة السورية هذا الشهر مشهداً ثقافياً غير مألوف في افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب، حيث عُرض كتاب "معالم في الطريق" للمفكر الإسلامي سيد قطب في موقع بارز، محققاً مبيعات لافتة. ويأتي ذلك بعد سنوات كان مجرد حيازة نسخة من هذا الكتاب كفيلاً بزجّ صاحبها في السجن خلال حكم الرئيس السابق بشار الأسد.
ويعكس المعرض، الذي يُقام للمرة الأولى منذ الإطاحة بالأسد، حجم التحولات التي شهدتها البلاد عقب وصول مسلحين إسلاميين إلى السلطة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. فإلى جانب الكتب الإسلامية التي كانت محظورة سابقاً، برزت عناوين لكتّاب علمانيين عارضوا النظام السابق، إضافة إلى جناح خاص بالثقافة واللغة الكردية، التي كانت محظورة في ظل حكم البعث قبل أن يُعترف بها أخيراً لغة وطنية.
منسق المعرض زهير البري قال إن "سوريا الجديدة لا تمنع أي كتاب"، مشيراً إلى أن الرقابة باتت تقتصر على الإصدارات التي تمس "السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي" أو تخالف القيم المجتمعية أو تمجّد النظام السابق.
عاطف نموس، صاحب دار نشر أعادت طباعة مؤلفات سيد قطب، أكد أن الإقبال "كبير جداً" على هذه الأعمال، موضحاً أنه باع 150 نسخة من "معالم في الطريق" منذ افتتاح المعرض في 6 فبراير. ويُذكر أن قطب، الذي أُعدم عام 1966 في عهد الرئيس المصري جمال عبد الناصر، يُعد من أبرز منظّري الحركات الإسلامية المعاصرة، وقد استندت إلى أفكاره جماعات مسلحة عدة، من بينها تنظيم القاعدة الذي أشار زعيمه السابق أيمن الظواهري إلى كتاباته كمصدر إلهام.
نموس، الذي غادر سوريا في ثمانينيات القرن الماضي خلال حكم حافظ الأسد، قال إن حيازة كتب قطب كانت تودي بأصحابها إلى أحكام قاسية وصلت إلى الإعدام، أو إلى سجن تدمر سيئ الصيت.
كما شهد المعرض عرض مجلدات "مجموع الفتاوى" لابن تيمية، في دلالة على اتساع مساحة النشر الديني بعد عقود من القيود.
وفي سياق متصل، عُرضت مذكرات القيادي السابق في تنظيم القاعدة أبو حفص الموريتاني، الذي كان قد أعلن انسحابه من التنظيم قبل هجمات 11 سبتمبر 2001، مؤكداً في مقابلات سابقة أن الإسلام يحرّم قتل الأبرياء. ويُذكر أن الشرع نفسه كان عضواً في تنظيم القاعدة حتى عام 2016 قبل أن يعلن فك ارتباطه به.
في المقابل، حُظر كتاب يتضمن خطباً للقيادي السابق في القاعدة بالعراق أبو مصعب الزرقاوي، بناءً على طلب من العراق، فيما قرر ناشر آخر سحب كتاب بعنوان "هل سمعت حديث الرافضة؟" بعد اعتراضات عراقية اعتبرته مروّجاً للكراهية والطائفية.
الناشط الحقوقي المخضرم هيثم مالح، الذي تُعرض مذكراته في المعرض، وصف الحدث بأنه "بداية انفتاح على الفكر الآخر والعالمي"، معتبراً أنه يمثل "خطوة إلى الأمام" بعد عقود من تقييد الفكر في ظل الدولة البعثية.
وفي الجناح الكردي، عُرضت أعمال شعرية ومجلات تاريخية تعود إلى عام 1932، في مؤشر على تحوّل ملحوظ في التعاطي مع الثقافة الكردية، تزامناً مع تنفيذ اتفاق سلام بين الحكومة والقوات الكردية لدمج مناطق الشمال الشرقي مع دمشق.
مدير الجناح الكردي صلاح سوركجي أكد أن الكتب الكردية كانت موجودة في دمشق خلال السنوات الماضية، لكنها كانت تُتداول سراً خوفاً من المساءلة، مضيفاً أن عرضها اليوم بشكل علني يعكس مرحلة جديدة في المشهد الثقافي السوري.



